طارق متري: العدوان الإسرائيلي بلغة القانون الدولي

طارق متري: العدوان الإسرائيلي بلغة القانون الدولي

26 نوفمبر 2023
جانب من الندوة (العربي الجديد)
+ الخط -

منذ بدء العدوان الإبادي الذي يشنّه الكيان الصهيوني على غزّة، تنادت الكثير من الأصوات الحقوقية وخبراء القانون للتذكير بأهمّية المواثيق الدولية والمؤسّسات الأممية، أو على الأقل للنظر في حالها، والتدليل على انتهاك "إسرائيل" السافر لتلك المنظومات. وضمن هذا الإطار، أُقيمت مساء الخميس الماضي، في "المكتبة العامّة" لبلدية بيروت (فرع مونو)، ندوةٌ قدّمها الباحث اللبناني طارق متري، بعنوان "العدوان على غزّة والقانون الإنساني الدولي".

انطلق صاحبُ "مسالك وعرة: سنتان في ليبيا ومن أجلها" (2015) من افتراض أنّ اللغة القانونية يجب أن تكون مفهومة أو مشتركة بين الناس على مستوى الأُمم، وبالتالي لا بدّ من الردّ على ما يجري في غزّة من جرائم وحشية بلغة القانون الدولي. إلّا أن هذه اللغة تُعلّمنا، في الوقت ذاته، الصبر، لأنّ وسائل فرض احترام القانون الدولي، ليست بيدنا نحنُ المواطنين العاديّين، وفق تعبيره.

هل سيمنع الغطاء الغربي لـ"إسرائيل" مُحاكمة مجرميها؟

وتابع: لو بدأنا من مؤسَّسة مثل "المحكمة الجنائية الدولية"، حيثُ طلبَت، مُؤخّراً، خمس دول، هي: جزر القمر وبنغلادش وجيبوتي وبوليفيا وجنوب أفريقيا، أن يجري النظر في انتهاكات "إسرائيل" للقانون الدولي في حرب غزّة، وهذا مهمّ بالتأكيد. لكن يبقى السؤال القائم: هل اليومُ الذي يُحاكَم فيه مجرمو الكيان قريب؟ خاصةً أنّ تاريخ المحاكم الجنائية الدولية ارتبط بقادة ومجرمين لا يُوفّر لهم الغرب أيّ غطاء أو حماية، بمعنى آخر ليسوا حلفاء سياسيّين للغرب. وأيّاً كانت الإجابة، فإنّ هذا لا يمنع من السعي لقيام المحكمة بواجبها في التحقيق كما في المُقاضاة، فهذا يؤثّر جدّاً في الرأي العام الغربي المُتأثّر أصلاً بالبروباغندا الصهيونية (الهاسبراه).

كما أشار متري في حديثه إلى أن هناك جيلاً من الشباب الغربي بدأ يتجاوز اللغة القديمة، ويستخدم أدوات لم نكن نعرفها، يحضُر من خلالها دعمُ القضية الفلسطينية بشكل مباشر. مع الانتباه إلى أنّ هذا يتطلّب، أيضاً، وقتاً حتى يُوسّع تأثيره في الرأي العام، ومن ثمّ التأثير على صُنّاع السياسات أنفسهم في هذا السياق، لكن قد تعجّل قيام المحكمة بدورها السرعةُ في تأثير الشباب على الحكومات. لكن أبرز المعيقات السياسية هنا تتمثّل طبعاً في موقف الولايات المتّحدة الأميركية أوّلاً وقبل أي شيء، وإصرارها على دعم الكيان الاستيطاني.

ولفتَ صاحب "باسم الكتاب المقدّس وباسم أميركا" (صدر بالفرنسية عام 1997)، إلى أنّ "إسرائيل" تتذرّع بمقولة "فلسطين ليست دولة"، وهذا دفعها في الماضي إلى عدم اتخاذ التهديد بالمحاسبة على محمل الجدّ. لكن حين صارت فلسطين عضواً دولياً غير مراقب في الأمم المتّحدة، أصبح بإمكانها الانضمام للاتفاقيات الدولية، ومن هذا الباب أصبحت مُقاضاة مجرمين إسرائيليّين أمراً مُمكناً. على مستوى آخر، أكثر مباشرة، لا بدّ من الإشارة إلى ضرورة وجود عَزْم عند المُدّعي العام الذي يتسلّم هذه القضية أو المهمّة، بمعنى أنّ الحقوقي الذي يُلاحق قضيّته بنشاط ترتفع حظوظُ نجاحها.

كما تحدّث الوزير اللبناني السابق حول جوهر القانون الدولي، بوصفه مجموعةَ قواعد وقوانين عُرفية، وتتمثّل مهمّته في حماية الأشخاص والمؤسّسات والمُمتلكات في حالات النزاع المُسلّح، وقد شُرِع في تدوينه منذ القرن التاسع عشر. وفي عام 1949، وُضعت "اتفاقيات جنيف"، وهي الأُسُس الرئيسية لاشتغال القانون الدولي الإنساني، وأبرز ما يهمّ فيها تلك النصوص التي تطرّقت إلى حماية المدنيّين من النزاعات المُسلّحة، وحماية المدنيّين في حالات الاحتلال، وهذا الشرطان ينطبقان تماماً على سكّان غزّة اليوم.

لا بدّ من عزم حقوقي نَنفَذ عبره إلى التحقيق والمُقاضاة

وتابع متري حديثه حول وجوب أن يُنظر قانونياً في التناسُب بين مفهومَي الضرورة والإنسانية: هل هذه الحرب ضرورية؟ خاصّةً أمام حالة احتلالية تختزن الحالة الحربية وتُعيد إنتاجها منذ عام 1948، وما مدى احترامك لإنسانية الآخر؟ ومُساءلة إن كانت الأسلحة ذات طاقة تدميرية أكبر من الحاجة، بالإضافة إلى مساءات بديهية في عالم القانون، مثل النظر في أولوية تجريب الحلول السياسية، والتمييز بين المدنييّن والمقاتلين، والحماية التي تشمل الأطفال والمسنّين وغيرهم. كلّ ما سبق مجرّد مبادئ عامة وسهلة التمييز، ولا تتطلّب خبراء لإثبات انتهاكها بالفعل في العدوان الجاري على غزّة.

يميّز متري بين "جرائم الحرب" و"الجرائم ضدّ الإنسانية"، فالأُولى تجري أثناء الحرب، وفيها خرقٌ لرفض مُعاملة المدنيّين كهدف عسكري، أمّا الجرائم ضدّ الإنسانية فيُمكن أن تقع خارج الحروب المباشرة، وقد تكون سابقة أو لاحقة عليها، ومثل ذلك التجويع والحصار والتهجير القسري، وقد تكون على شكلٍ مُتمادٍ ومتكرّر وذي نطاق جغرافي وديمغرافي واسع. وهُنا، أيضاً، لا نحتاج إلى خبراء ومختصّين، بل إنّ أيّ مُحامٍ مُتمرِّس يقدر أن يوضّح العدد الهائل من هذين النوعين اللذين ارتكبتهما وترتكبهما "إسرائيل" اليوم.

وختم الباحث بالحديث عن "جرائم الإبادة الجماعية"، فصعوبة إثباتها، كما شدّد، لا تتأتّى من إنكار ما نُعاين ونشهد من مذابح تمحو سجلّ عائلات بأكملها، على العكس تماماً، إنما "الصعوبة" يفرضها الاحتكار الصهيوني لسرديات المحرقة، وكأنّها حصريّة على اليهود فقط. وقد عرقل الصهاينة، مراراً، مشاريع اعتبار بعض المذابح التي وقعت بحقّ شعوب أُخرى إبادات جماعية ("جينوسايد").

وبالتالي علينا العملُ بجدٍّ حقوقيّ، حسب طارق متري، لإثبات الإبادة في سياق العدوان الحالي ومحاكمة القائمين عليها، لأنّ ذلك سيُغيّر الكثير من الأشياء. فالإبادة من حيث التعريف؛ هي إهلاك أو تدمير جماعة وطنية أو دينية أو إثنية كلّياً أو جزئياً من حيث هي جماعة. والأهمّ في كلّ ما سبق هو "النيّة"، وهذا ينطبق، أيضاً، على العدوان الإسرائيلي. كما يُمكن إثباتُه من خلال تصريحات وكلام بعض مُجرمي الكيان الصهيوني عن تحويل غزّة إلى أنقاض، وصراع مع "العماليق" و"حيوانات غير بشرية"، وتطهيرها عبر الدعوة إلى استخدام الأسلحة البيولوجية والنووية، فضلاً عن اللغة العمومية المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي لحسابات إسرائيلية عامّة.

المساهمون