"صخرٌ أسود" لسعيد بعلبكي.. فتنة المصغَّرات

17 سبتمبر 2023
من المعرض
+ الخط -

سعيد بعلبكي فنّانٌ لبناني ألماني يعيش في برلين، حيث بنى لنفسه اسماً، ومن هناك ينتقل إلى عواصم شتّى، من بينها بيروت. معرضُه "صخرٌ أسود"، الذي أُقيم أخيراً في "غاليري صالح بركات" ببيروت، وشغل قاعة صغيرة في الطابق العلوي، ينتمي إلى الفنّ المفاهيمي. إنّه يبدأ من فكرة جامعة هي عَود إلى التاريخ الماضي في رؤية من الحاضر وإطلالة متوازية على الحاضر. إنّه تاريخ يتجلّى في لحظة مُعاصرة.

في هذا المعرض، عاد بعلبكي إلى أزمنة سحيقة، إلى ما قبل المسيح، ليُجسّد وينحت من هناك معابد تمتّ إلى جميع الأديان، البراهمية والبوذية والمسيحية والإسلام. إنّها معابد، وهي في ذات الوقت تُحفٌ فنّية. لكن بعلبكي لا يقف هنا، مفاجأته هي أنّه ينحت، إلى جانبها، معابد مُعاصرة إذا جاز التعبير: البنوك والقصور الرئاسية والمقارّ السياسية.

هذا الجمع هو تحت فكرة صريحة، راهنة بطبيعة الحال، معترضة ونقدية بقدر ما هي صارمة وعميقة. لنا من ذلك أن نقول بعبارة واحدة، إنّ المال والسُّلطة هُما دينا العصر. لنا أن نقول إنّ البنوك والمؤسَّسات السياسية تلتقي في تلك العبادة الماضية قُدُماً في التاريخ. نحن هكذا أمام معرض هو، من ناحية ما، يكاد يكون كتاباً أو موازياً لكتاب.

صخر أسود لسعيد بعلبكي 1 - القسم الثقافي
من المعرض

إنّنا من البدء أمام فكرة جامعة، وأمام تحليل تاريخي، وأمام أطروحة سياسية واجتماعية. لا يمكننا أمام فنّ كهذا أن ننسى هذه المزاوجة بين الصورة والفكرة. الفنُّ هنا هو هذه الموازاة بين الفنّ والثقافة، بينه وبين الفلسفة من ناحية أُخرى.

أمّا سبيل سعيد بعلبكي إلى تحقيق ذلك، فهو هذه المرّة، وربما في مختلف المرّات، ارتكاز على بوب آرت. إنّ المعابد جميعها، الآتية من التاريخ ومن الراهن، قد قُدِّمَت في مصغَّرات نحتية. نحن هنا أمام تُحَف تاريخية وتُحَف مُعاصرة، أمام قصور ومعابد قائمة هي، بحدّ ذاتها، آثار فنّية وآيات هندسية ومعمارية. لقد جاء بها سعيد من الفن أساساً، لم يُحوّلها كما يفعل البوب، من لقيات وأغراض واقعية إلى فنّ. لم يفعل ما فعله روّاد البوب من تحويل العلَم الأميركي، أو الحذاء، أو الصورة الفوتوغرافية إلى فنّ.

الفنُّ هنا هو هذه المزاوَجة بين الصورة والفكرة

يستدعي بعلبكي منحوتاته من الفنّ مباشرةً وإلى الفنّ، لكن هذا، هذه المرّة، يجري بتصغير هائل، مئات أو آلاف المرّات، واللافت حتى المفارقة أنّ هذا العرض التاريخي الشاسع يجري كلُّه في قاعة صغيرة. الداخل إليها يجد نفسه في التاريخ كلّه، وقد تصغَّر وتحوَّل إلى ما يشبه العلامات، ما يشبه الإشارات والتواقيع والبطاقات. المعبد، وقد تصغّر إلى أن يصبح ما يشبه طابعاً، هو بطبيعة الحال فنٌّ عن فنّ.

لكن عملية التصغير هذه، بهذا الحجم وهذه الآلاف من المرّات، لا تجعل من العمل المصغَّر هو ذاته الأصل الكبير. ما فعله سعيد بعلبكي بذلك ليس نسخاً، ولا مجرَّد نقل. المعبد المصغَّر على هذا النحو ليس هو ذاته المعبد الضخم. عملية التصغير الهائلة هنا، هي أيضاً عملية تحويل كاملة. هي، بالدرجة الأُولى، تحويلُ عمل هو في الأساس فنّ، لكن التصغير، على هذا النحو يجعل منه موضوعاً، فيما عملية التصغير هذه هي الفنّ.

صخر أسود لسعيد بعلبكي 2 - القسم الثقافي
من المعرض

إنّنا ندخل هذه الحجرة الصغيرة، لنجد المعابد الكبيرة الهائلة وقد باتت قطعاً صغيرة، للتاريخ كلّه وقد استحال إلى غرفة. هذا التصغير هو بحدّ ذاته فنّ، بل هو فنّ أوّلاً. ليس بالتأكيد مجرَّد نقل. المعابد، بهذه الصورة لم تعُد هي نفسها، لقد تحوّلت إلى منمنمات. تحوّلت، في تصغيرها الشعيري، في دقائقها وخطوطها ودوائرها شبه المرسومة، في نحتها الخيطي، إلى فنّ. بين المعبد المنحوت والمعبد الأصلي لا نجد أنّ المطابقة هي الأساس، التصغير، هو بحدّ ذاته أكثر من نسخ، إنّه هكذا فنّ، وفنّ جديد.


* شاعر وروائي من لبنان

 
المساهمون