سبينوزا والضحك.. طريق من العبودية إلى الحرية

22 يونيو 2022
تغليف تمثال سبينوزا بالبلاستيك كاحتجاج على سياسة الحكومة في أمستردام عام 2001 (Getty)
+ الخط -

لم يشتطّ نيتشه حين ربَط الفلسفة بالضَّحك، وحين أراد أن يضع ترتيباً لمنزلة الفلاسفة، "كلُّ بحسب المكانة التي يحتلّها الضحكُ لديه". وسنقرأ في "اسم الوردة" لأمبرتو إيكو، وهي رواية ضاحكة بامتياز، بأن "الكنيسة كانت تحرِّم الضحك لأن الضحك يحرِّر الإنسان من الخوف، ومتى تحرَّر منه، لم تعُد به حاجة لإله". 

ونعرف منذ هيوم أنّ الدين والخوف مترادفان، ولدى أوسكار وايلد، في رائعته "صورة دوريان غران"، نقرأ ما قاله اللورد هنري وهو يهزُّ كتفيه استخفافاً: "إنّ صدري يتَّسع لكلّ شيء، ولكنه يضيق بالشقاء. نعم، أنا لا أعطف على الشقاء، فالشقاءُ بشع، الشقاء كريه، الشقاء يكسرُ القلوب، وأنا أرى أن اهتمام أهل هذا الجيل بالألم نوع من المرض، فالواجب أن نهتمّ بألوان الحياة الزاهية، بجمالها، بأفراحها، فخير لنا أن ننسى أوجاع الحياة".

إن سبينوزا واحد من أولئك الفلاسفة القلائل الذين سيُتقنون فنّ "القهقهة بالضحك الذهبي"، وقد اعتبره نيتشه شبيهاً له، وأحسّ بقليل من العزلة بعد أن تعرَّف عليه. فسبينوزا، وإن بدأ ديكارتياً، وحتّى وإن ظلَّ العقلُ لديه المعيارَ الوحيد للحقيقة، سيرفض ثنائية الجسد والعقل لدى ديكارت كما سيرفض ثنائية الخالق والمخلوق والروحي والمادي. إن الإنسان نفسه سيضحّي معه جزءا من الطبيعة ولن يمتلك أي أفضلية على بقية الكائنات بعكس ما كان يقوله اللاهوت. ولكن ما يربط سبينوزا بالضحك النيتشوي هو إعلاؤه من قيمة الفرح باعتباره الهدف الأسمى لكلّ بحثٍ عن الحقيقة. ولن نقف على راديكالية هذه الفكرة إلا إذا حاولنا قراءتها من خلال سياقنا العربي، الذي سنجد أنّ فكره لم يكتشفِ الضحك ولا الفرح، لأننا لا نضحك في ظلّ الاستبداد. 

حظرُ حرية التفلسُف هو ما يهدِّد الإيمانَ الحقيقي

ولربما يعود ذلك إلى سبب رئيسي وهو أن فكرنا لم يواجهِ الاستبداد بشكل صريح، هل لجبن متأصّل فيه؟ أم لأن الاستبداد يخلق مفكّريه وكتّابه وشعراءه ورجالات إعلامه ورجال دينه، فيدخل المفكّر النقدي في حَجْر صحّي بإرادته أو ضدّها، أو يبتلعه فراش الزوجية، ظهير الاستبداد الأبدي!

في كتابه: "مقالة في اللاهوت والسياسة" (1670)، لن يتوقف سبينوزا عن التساؤل عن سبب تفضيل الشعب لواقع أن يكون عبداً للطغاة بدلاً من تحرير نفسه في ظلِّ جمهورية متسامحة وليبرالية؟ وهو سؤال سيتردَّد صداه بداخلي وأنا أرى كيف تبكي الشعوبُ جلاديها في واقعنا العربي وتحنُّ إليهم، وتتذكّرهم كشهداء وقدّيسين. ولربّما للأمر علاقة بالبنية اللاهوتية المُستحكمة بالوعي واللاوعي العربيين، والتي تقوم "مهمَّتُها الحضارية الكبرى" على ترجمة العبودية لله إلى عبودية للحاكم. دعونا نُسمِّي ذلك متلازمة عبد الناصر وإن غضب منّا تجّارُ المُمانعة. 

وفي الكتاب نفسه سيفضح سبينوزا الأحكام المسبقة لرجال الدين مدافعاً عن فكرة أساسية، ترى أنَّ حرية التفلسُف لا تهدِّد الإيمانَ الحقيقي ولا السلام داخل الجماعة، بل إنّ حظرَ حرية التفلسُف هو ما يهدّد ذلك. ومنذ بداية كتابه، ينتقد بشدّة اعتماد الدين على الخُرافات ويرى أنّ السبب وراء ذلك يعود إلى الخوف المتأصِّل في الإنسان، ومؤكّداً، قبل "سيكولوجيا الحشود"، بأن الخوف هو أنجعُ طريقة للحكم، وقد كتب في شجاعة عن النظام الملَكي المُطلق: "إنّ السرَّ الكبير للنظام الملكي ومصلحته الحيوية يكمن في خداع البشر عبر تزييف الخوف باسم الدين، الذي يريدون عبره إلجامَ الناس به، بشكل يجعلهم يقاتلون من أجل عبوديتهم، كما لو أن الأمر يتعلّق بخلاصهم".  

وقد ظلّ سبينوزا منافحاً كبيراً عن الفصل بين الفلسفة واللاهوت وبين الدين والسياسة. وكتب يقول: "إنّه أمرٌ مُضِرٌّ بالدين والجماعة السياسية أن نعطي للمؤسّسات الدينية حقاً تنفيذياً أو حكومياً"، وظلَّ يعتقد بأنّ النظام الديمقراطي هو أفضل الأنظمة السياسية على الإطلاق، وذلك أيضا لأنه يقوم على مبدأي المساواة والحرية. ولم يبالغ فريدريك لونوار وهو يكتب في "المعجزة سبينوزا" الصادر عن منشورات "فايارد" (2017): "الميثاق الاجتماعي، والديمقراطية، والعِلمانية، سواسية كلّ المواطنين أمام القانون، حرّية الاعتقاد والتعبير؛ إنّ سبينوزا هو أب حداثتنا السياسية. فقرناً من الزمن قبل فولتير وكانط وعقوداً قبل لوك و"رسالته حول التسامح" التي نشرها في عام 1689، سيكون سبينوزا أوّل منظّر للفصل بين السلطات السياسية والدينية وأوّل مفكّر حديث بالديمقراطية الليبرالية". 

العبد والطاغية والراهب تحضرُ ثلاثتها في كلّ أعمال سبينوزا

لقد أوضح دولوز في كتابه: "سبينوزا، فلسفة عَملية" (ترجمة عادل حدجامي)، بأنّ هناك ثلاثُ شخصيّات تحضرُ في كلّ أعمال سبينوزا: "العبد والطاغية والراهب". فالعبد هو الرجل الذي يخضعُ لانفعالاته الحزينة، والثاني هو ذاك الذي يحتاجُ إليها من أجل فرض سلطتهِ، والثالث هو من يشعر بالحزن للشرط الإنساني. ويتفق الثلاثة حسب دولوز على شعورهم بالحِقد اتجاه الحياة. وما يجمع بين الثلاثة، لا ريب، هو إدانتهم للفرح. وسيقوم سبينوزا في "رسالة في اللاهوت والسياسة"، بفضح شخصيّة الطاغية والراهب، في حين سيقومُ بفَضح العبد في كتابه "الأخلاق"، إنّه ذلك الرجل الذي يعتقد نفسه حرّاً، في حين أنه يخضع في الواقع لسلطة مخيِّلته ورغباته وغرائزه وعواطفه. 

إن كلّ الطريق الذي يقطعه كتاب "الأخلاق"، هو طريق من العبودية إلى الحرّية ومن الحزن إلى الفرح، يكتب فريدريك لونوار، فسبينوزا يبدأ كتابه "الأخلاق" بالإله الذي يعرّفه مثل الجَوهر الفرد لكلِّ موجود، قبل أن يُنهي كتابه بقسم مخصّص للسعادة القصوى. وبين القسمين، يحاول سبينوزا إعادة تعريف الجسد والروح، موضِّحاً أنهما ليسا بمُنفصلين، قبل أن يقترح تحليلاً دقيقاً لعواطفنا، والتي لا يتوجّب علينا محاربتها كما يقول الأخلاقويون، بل إعادة توجيهها عبر العقل. ليعمد في النهاية إلى تفسير عبودية الإنسان الخاضع لعواطفه وليس لعقله، أما الخيط الناظم لكل الكتاب فهو الفرح.

إنّ الجسد سيمتلك معه "القداسة نفسها التي تمتلكها الروح". وإن الشَّرخَ الأساسي داخل الإنسان لا يفصل بين قسمين من وجوده، ولكن بين نوعين من الإحساس: الحزن والفرح، واللذين يعتبرهما سبينوزا الأحاسيس الأكثر مركزية. إن هدف الأخلاق السبينوزية تقوم على تنظيم الحياة عبر العقل من أجل الحدِّ من الحزن ومراكمة الفرح حدّ تحقيق السعادة القصوى، ولربّما هذا بالضبط ما يفسِّر ولادته الجديدة اليوم في أكثر من سياق ثقافي، حتّى وإن كانت ولادة استهلاكوية ليس أكثر، وغيابه الكبير عن السياق العربي، حيث سننتظر سنوات طويلة بعد ترجمة حسن حنفي لرسالته، حتى نقرأ كتُباً لدولوز عنه في العربية. دولوز الذي أوضح أنّنا مع سبينوزا أمام أسلوب حياة، وأنّنا لا نقفُ أمام أخلاق ولكن أمام إيثولوجيا  Ethologie.

والإيثولوجيا كعلم للسلوكيات الحية تدرُس القدرةَ على التأثير والتأثُّر العاطفيّين، والأحاسيس الناتجة عن ذلك. ولهذا يرى سبينوزا أنَّنا نتيجة للأحاسيس والأفكار التي أثّرت فينا منذ ولادتنا، وخلقت بداخلنا عواطفَ وأحاسيس مختلفة. إن الحياة كلها، يكتب لونوار معلقاً على ذلك: "ترتبط باللقاءات التي عشناها. فاللقاءات السعيدة تدعم القوى الإيجابية بداخلنا كالحبّ والفرح والثقة بالذات، واللقاءات التعيسة تحطُّ من قوّتنا وتبعث الحزن والخوف والحقد إلخ.. بداخلنا". ولربّما تكمُن نصيحة سبينوزا إلينا، في تجنُّب كلّ ما يملأ حياتنا عبوساً، والضحك حتى من الألم الذي يُصيبنا، بل أن نضحكَ حدّ القهقهة حتى يسمعنا نيتشه أيضاً، فيما وراء صرير أسنان المثالية الألمانية.


* أستاذ فلسفة وكاتب من المغرب

المساهمون