رحيل شوقي جلال.. الترجمةُ مقدّمةً للبحث في حال المجتمعات

رحيل شوقي جلال.. الترجمةُ مقدّمةً للبحث في حال المجتمعات

17 سبتمبر 2023
شوقي جلال (1931 - 2023)
+ الخط -

في أحد حواراته الصحافية التي تناولت ترجمته لرواية "المسيح يُصلَب من جديد" للروائي اليوناني نيكوس كزانتزاكيس، يتحدّث المُترجم والمُفكّر المصري شوقي جلال (1931 - 2023)، الذي رحل صباح اليوم الأحد في القاهرة، عن دوافعه لإنجاز هذا العمل، فيقول: "حدث بيني وبينه (أي كزانتزاكيس) نوعٌ من المُشاركة الرّوحية والتماهي في أمرين: التصوّف والتمرّد وهذا ما أعطاني فرصة التقمّص الوجداني للنص".

وُلد الراحل في القاهرة ونشأ في كنف أسرة مثقّفة دعمته خلال مسيرة تحصيله العِلمي حتى نال درجة البكالوريوس في الفلسفة من كلّية الآداب بـ"جامعة القاهرة" عام 1956، فتلاقَت في شخصه روافدُ معرفية مختلفة من داخل وخارج أسوار الأكاديميات. وكان لدراسته هذا التخصّص أثرٌ في انشغاله المُبكّر بالتيارات الفكرية والفلسفية، بداية من العقائد الدينية وصولاً إلى الأفكار القومية وأيديولوجيات القرن العشرين.

وبالوصول إلى عقد الستينيات، بدأ المترجِم الراحل ينخرطُ بشكل أكبر في العمل الصحافي، من خلال المقالات التي راح يوقّعها مع صحف عديدة مثل "الأهرام"، ومجلة "العربي" الكويتية، ومجلّة "الفكر المعاصر"، ومجلة "تراث الإنسانية"، كما برز اسمُه، لاحقاً، بصفتِه عُضواً في عددٍ من الهيئات الثقافية في مصر، وعلى رأسها "المجلس الأعلى للثقافة". 

وانطلاقاً من تلك المرحلة، ازداد اهتمامُه بالإنتاج الفكري، حيث عمل على الموزانة بينه وبين الترجمات التي نقلها عن الإنكليزية. واللافتُ أنّ الطابع الذي يغلبُ على هذين المَساقين هو النَّظر العميق والتحليلي للسرديات الكبرى حول العالم، والتدقيق في موقع العرب والمجتمع العربي منها، أو مدى اشتباكه وتأثّره فيها، وهذا ما يُلاحظ في مؤلّفاته "الفكر العربي وسوسيولوجيا الفشل" (2002)، و"المجتمع المدني وثقافة الإصلاح: رؤية نقدية للفكر العربي" (2005)، و"أركيولوجيا العقل العربي: البحث عن الجذور" (2009).

لم تكُنِ الترجمة عنده مجرّد "مختارات" يقترحها على القارئ العربي، بل ظلّ يُنبّه في أكثر من حوار له، بالإضافة إلى كتاباته الأصلية مثل "الترجمة في العالم العربي: الواقع والتحدّي" (2010)، إلى أنّ واقع الترجمة في العالَم العربي ما زال ضعيفاً، ويؤكّد ضرورة التنسيق بين مراكز ومؤسّسات الترجمة العربية الكُبرى، وإلّا تحوّلت تلك الرؤى والجهود إلى جُزرٍ معزولة.

مسألة أُخرى التفت إليها الراحلُ في مؤلّفاته، وهي حال الجامعات العربية التي رأى أنها لا تُلبّي شروط التفكير الحرّ، ولا تمتلك أدواتها كمؤسّسات قادرة على إنتاج نُظم مجتمعية جديدة.

وإذا كانت دائرةُ مؤلّفاته تمتدُّ من "نهاية الماركسية" (1994)، وصولاً إلى "على طريق توماس كون" (أعادت "مؤسسة هنداوي" إتاحته هذا العام على موقعها الإلكتروني)، فإنّ قوسَ ترجماتِه شملَت أسماء مثل هرمان كان الذي نقل له "العالم بعد مائتي عام" (1982)، وأمارتيا صن في "التنمية حرّية: مؤسّسات حرّة وإنسان مُتحرّر من الجهل والمرض والفقر" (2004)، ورونالد أرونسون في "كامي وسارتر" (2006)، إلى جانب "الفيل والتنين: صعود الهند والصين ودلالة ذلك لنا جميعاً" (2009) لروبن ميرديث، و"لماذا العِلم" (2010) لروجر نيوتن، و"تاريخ العلم 1543 - 2001" (2012) لجون غريبن. وغيرها من المؤلّفات والنُّقولات التي تجاوزت الستين كتاباً.  

 

المساهمون