ذكرى ميلاد: محمد خان.. الحرية في السينما والواقع

26 أكتوبر 2020
الصورة
(محمد خان)
+ الخط -

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها في محاولة لإضاءة جوانب من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، السادس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر، ذكرى ميلاد المخرج المصري محمد خان (1942 – 2016).


في كتابه "مخرج على الطريق" (2015)، يشير محمد خان إلى أنه كان يستنزف نصف طاقته قبل التصوير في العثور على تمويل حقيقي، ثم يبدّد ربع طاقته في إقناع شركائه في العملية الفنية؛ الكاتب والمصوّر والمونتير وواضع الموسيقى بان يتخلّى كلّ منهم عن أنانيته لتذوب كلّ هذه المفردات من سيناريو وتصوير ووديكور وموسيقى في العمل الفني، ولا يتبقى له سوى ربع طاقته التي يقدّمها أثناء تنفيذ فيلمه.

تتساوق صراحة المخرج المصري (1942 – 2016) مع طبيعة رؤيته السينمائية طوال أربعة عقود، في تركيّزه على التغيّرات التي أصابت الشخصية المصرية في الحب والحلم والعمل والحياة اليومية نتيجةً للتحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي تتواصل تداعياتها حتى اليوم، وتركت آثارها التي لا تُمحى في أعماله.

انتماء خان إلى مصريته لم يأت عبثاً، وهو المولود لأب باكستاني وأم إيطالية، حيث استوعب باكراً ما تعنيه السينما كأداة لإعادة طرح التجربة الإنسانية وفهم المحيط الذي يعيشه ليقدّم مقولته وأفكاره ضمن رؤية فنية وأحداث ليس ضرورياً أن تنتمي كلّها إلى الواقع، وهو ما فعله خان منذ فيلمه القصير الأوّل "البطيخة" (1972)، لكن المفارقة أنه طاف العالم كلّه بالجنسية البريطانية ولم يمنح الجنسية المصرية إلا قبل رحيلة بأقل من ثلاث سنوات.

ركّز في أعماله على التغيّرات التي أصابت الشخصية المصرية

الكتاب الذي أصدره صاحب فيلم "ضربة شمس" (1978) هو حصيلة مقالات نشرها في الصحافة المصرية، وهي تعبّر في معظمها عن قضايا جادة تهمّ السينما والسينمائي والجمهور، وليست مجرّد قصّ لسيرة حياتية، غنية هي أيضاً، فالكتابة في فهمه ليست حشواً ولا عواطف، حيث يتناول في إحدى مقالاته ندرة النشر السينمائي العربي المتخصّص رغم حاجة القارئ العربي الملحّة في هذا المجال.

كما يلفت خان في المقال ذاته إلى أهمية وجود كتاب/ مجلة فصلية تفتح نافذة على سينما أخرى في زمنٍ تسوده نزعة احتكار في عالم توزيع الأفلام الذي يفرض أصحابه على المتلقي العربي سينما استهلاكية سائدة ومحدودة، ومغرضة أحياناً. وفي مقال ثانٍ، يقارن بين الاختزال في الكتابة الصحافية الذي يعد ميزة من وجهة نظره وبين عددٍ من أفلامه الذي حذف منها مشاهد لم يكن تصويرها سهلاً بل كان مكلفاً في بعض المرات، لكن الاستغناء عنه كان أفضل للعمل وإيقاعه.

لم يتخرّج صاحب فيلم "الرغبة" (1979) من معهد سينمائي حيث سافر عام 1956 إلى لندن لدراسة الهندسة المعماري، لكنه التقى هناك بشاب سويسري عرّفه على مدرسة الفنون، لكن دراسته اقتصرت على الاحتكاك ومعرفة التقنيات، إلا أنه كان مواظباً على حضور السينما العالمية التي كان يخصّص لها إجازة خاصة في معظم السنوات يسافر خلالها إلى بريطانيا ويمضي وقته بمشاهدة عشرات الأفلام.

انتماء خان إلى مصريته لم يأت عبثاً، وهو المولود لأب باكستاني وأم إيطالية

محمد خان الذي كان متشائماً من أوضاع السينما المصرية خلال سبعينيات القرن الماضي، وخطط مع صلاح أبو سيف لإنشاء دكان طعمية وفول، عاد من لندن نهاية ذلك العقد وبدأ مشواره الذي أخرج خلاله أفلاماً بارزة منها "موعد على العشاء" (1982)، و"الحريف" (1983)، و"زوجة رجل مهم" (1988)، و"فارس المدينة" (1991)، و"في شقة مصر الجديدة" (2007)، و"فتاة المصنع" (2014)، و"قبل زحمة الصيف" (2015)>

لم تكن أفلامه الأكثر انتشاراً بالعادة، لكنها كانت الأكثر نيلاً للجوائز في المهرجانات، وربما أتت شراكته في مع الفنان أحمد زكي في هذا السياق، وظلّ مدفوعاً نحو مشاريع لم يستطع تنفيذها بسبب تعارضها مع اشتراطات الإنتاج السينمائي في مصر، وحالماً بالتغيير وباحثاً عن الحرية في الواقع كما في أفلامه.