تعلَّمنا من فلسطين

تعلَّمنا من فلسطين

11 فبراير 2024
مظاهرة في مدريد تنديداً بحرب الإبادة في غزّة، 27 كانون الثاني/يناير 2024 (Getty)
+ الخط -

كان الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو هو الذي قال في "كتاب المعانقات": "إنّ الجيش الإسرائيلي، الأحدث والأكثر تطوّراً في العالم، يعرف جيّداً من يقتل. فهو لا يقتل بالخطأ. يقتل من أجل الرعب وللخوف. واستناداً إلى حروب إمبريالية أُخرى، يطلق على الضحايا المدنيّين اسم أضرار جانبية. في غزّة، على سبيل المثال، من بين كلّ عشرة أضرار جانبية، ثمّة ثلاثة أطفال".

أمّا نصّ "لا أحد" الذي نشره الكاتب عام 2000، في طبعة جديدة من الكتاب نفسه، فيمكن اعتباره نصّاً جوهرياً من أجل فهم بعض الخطوط السحيقة التي فرضتها نظريات المعرفة الشمالية على الجنوب، والتي أسّست عليها حُكمها الرأسمالي والأبوي والعشائري والمبيد للبيئة والاستعماري والعنصري. يقول غاليانو: "أولئك الذين لا يبدعون فنّاً، بل صنعةً يدوية. الذين لا يملكون ثقافةً، بل فلكلوراً. الذين لا أسماء لهم، بل أرقام. الذين لا يظهرون في تاريخ العالم، بل في الصفحة الحمراء للجرائد المحلّية".

قد يكون أحد أهمّ العناصر الرئيسية التي يجب مُراعاتها عند التعامل مع نظريات المعرفة في الجنوب هو أنّ العديد من مفاهيمها ومصطلحاتها وممارساتها لا يمكن ترجمتها إلى وجهات نظر عالمية وإلى لغات الشمال. لذلك يصعب أن تقدّم، في اللغات الشمالية، فهماً أو شرحاً كافياً أو أصيلاً لهذه المفاهيم. يجب على أوروبا والشمال العالمي أن يتعلّموا، بعد أكثر من خمسة قرون من الاحتلال، واستعمار المعرفة، أنّ مفاهيمهم وفلسفاتهم ليست صالحة أو قابلة للتطبيق في جميع أنحاء العالم. أي أنّها ليست عالميّة. علاوة على ذلك، لا تستطيع لغاتهم وأدواتهم اللغوية أن تقدّم تفسيراً أو ترجمةً للعديد من مفاهيم وفلسفات الجنوب العالمي.

من الصعوبة بمكان ترجمة الصمود إلى اللغات الشمالية

ولكن على الرغم من كل شيء، على الرغم من كلّ القيود والخطابات والممارسات التي لا حصر لها، والتي تمارسها المركزية الشمالية لحجب نظريات المعرفة الجنوبية، يهمّني، في هذا الإطار، أن نحاول شرح بعض هذه المفاهيم الجنوبية. يمكننا، مثلاً، أن نحاول الاقتراب من المقاومة الشعبية الفلسطينية من خلال مفهوم "الصمود"، والذي يُستخدم في اللغة العربية.

كما تعلّمنا من فلسطين، فإنّ الصمود هو عنصر أساسي في الوجود الفلسطيني، إضافة إلى كونه عنصراً رئيسياً في رواية أصحاب الأرض. يرتبط هذا المفهوم - وهنا أكرّر صعوبة ترجمته إلى اللغات الشمالية - بالتربية الفلسطينية والوعي الجماعي، كما أنّه يرتبط بثبات وحزم وإصرار الشعب الفلسطيني على البقاء في أرضه والاستمرار فيها.

الصمود، الذي يهدف إلى المثابرة من خلال مقاومة القمع، يرتبط أيضاً بشكل خاصّ بالمرونة والقدرة على التغلّب على الشدائد. بالنسبة إلى بعض الفلسطينيّين، هو نوعٌ من القوّة أو روح الصلابة التي لا يمكن اختراقها، والتي تسمح لهم بمقاومة جميع الشدائد. وفي مناسبات عديدة، ارتبط مفهوم الصمود أيضاً بالمقاومة اللاعنفية والعصيان المدني الفلسطيني. ولا يقتصر مفهوم الصمود على مظاهر المقاومة الميدانية أو المسلّحة فحسب، بل يُعبّر أيضاً عن كافة أشكال الثقافة المكتوبة والمسموعة والأكاديمية.

من هنا كان ضرورياً على نظريات المعرفة في الجنوب أن تبدأ ببلورة خطابات، وكلمات، وأصوات، وممارسات، يتمّ التعبير عنها من أجل وصف مشاعر وتجارب من يعاني من الاحتلال والاستعمار، سواء أكان معرفياً أو ميدانياً. وهُم في هذه الحالة الفلسطينيّون. كان لا بدّ أيضاً، وخلافاً لما تؤكّده نظريات المعرفة الشمالية تقليدياَ، سواء بشكل صريح أو ضمني، من التأكيد على أنّ المعرفة التي لم تتمّ كتابتها أو تسجيلها لها نفس قيمة تلك التي كُتبت وسُجّلت. 

في حالة فلسطين تكتسب هذه الأنماط أبعاداً أُخرى، لا سيما أنّ البيئة المعرفية لشعوب الجنوب العالمي تزخر بالفنّ، وليس فقط الحرف اليدوية، كما أنّها مليئة بالثقافة، وليس بالفولكلور فحسب. وهي كلّها تعبيرات عن مفهوم الصمود، الذي يمثّل الوجود الفلسطيني.

ليعِ الشمال أنّ مفاهيمه ليست قابلة للتطبيق في كلّ العالم

في هذا السياق من أشكال الصمود، بوصفه تعبيراً عن الوجود الثقافي والنفسي والاجتماعي الفلسطيني، ويرتبط بفلسفة الصمود الحيويّة، كان لا بدّ، في إطار نظريات المعرفة الجنوبية، من التأكيد على بعض أشكال الثقافة والفن الفلسطينيّين وتعزيزها. وهنا يجب الوقوف مطوّلاً عند فنّ الصمود، سواء من خلال الخطّ أو الحركات الجماليّة العربية مثل الحروفية. هذه الأخيرة، على الرغم من أنّ جذورها تعود إلى القرون التي تلت ظهور الإسلام، فقد جمعت كحركة فنّية بين التقاليد العربية الإسلامية والفنّ المعاصر منذ منتصف القرن العشرين. وعندما نتحدّث عن هذه الحركة في سياق فلسطين، لا بدّ من ذكر أحد أبرز ممثّليها الكبار، وهو كمال بُلّاطه.

إلى جانب هذه التعبيرات الثقافية، يمكننا إضافة أشكال أُخرى مثل الرقص الفلسطيني، أو ما يُعرف باسم الدبكة، والموسيقى الفلسطينية، بما في ذلك الأنماط الحضرية الحالية مثل موسيقى الراب أو الهيب هوب. كذلك الحال مع فنّ الطهي أو المطبخ الفلسطيني الذي عانى بدوره من محاولات لا حصر لها للاستيلاء عليه من قبل الرأسمالية والمؤسّسات الإسرائيلية، التي تبيع الحمّص والفلافل في جميع أنحاء العالم كما لو كانت أطباقاً من "إسرائيل" حصرياً.

تعيش هذه التعبيرات الثقافية والفنّية والحيوية كلّها في سجن معرفي تديره مركزية الشمال. ولا يمكننا أن ننسى أنّ فلسطين كانت ولا تزال بشكل دوري في قلب الأجندة الإعلامية والسياسية الدولية لنظريات المعرفة الشمالية، خاصّة تلك التي تسيطر عليها مؤسّسات الاتصال والاقتصاد القوية. بهذه الطريقة، بشكل عام، يمكن القول إنّ السجن المعرفي لا يزال يميّز فهم فلسطين المعاصرة. ويعود ذلك، من بين عناصر أُخرى، إلى التشويه العامّ للإطار الذي نستخدمه لمقاربته وفهمه، والذي يتضمّن إخفاء الظلم اليومي الذي يمارسه نظام الفصل العنصري الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني منذ عام 1948؛ أو إلى الاستشراق والعنصرية والعنف المعرفي الذي ينطوي على إسكات منهجي للأصوات والمعرفة والنضالات والأفكار وتعبيرات الصمود الفلسطيني.

 

* النص من كتاب "فلسطين في النظريات الإبستمولوجية الجنوبية"، الصادر عن "مركز الدراسات الاجتماعي" في بوينس آيريس عام 2022. ترجمة عن الإسبانية: جعفر العلوني


بطاقة

Jorge Ramos Tolosa باحث وأكاديمي إسباني، حاصل على دكتوراة في التاريخ المُعاصر. يعمل حالياً أستاذاً في "جامعة فالنسيا". يُعدّ من أبرز الأصوات المدافعة عن فلسطين في إسبانيا خلال العدوان الإسرائيلي الحالي على غزّة. له العديد من الكتب، من أبرزها: "فلسطين: القصّة الجوهرية" (2020)، و"تاريخ مُعاصر للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي" (2020)، و"فلسطين في النظريات الإبستمولوجية الجنوبية" (2022).

 

المساهمون