بابلو بيكاسو.. هل التهمنا المينوتور نحن أيضاً؟

بابلو بيكاسو.. هل التهمنا المينوتور نحن أيضاً؟

25 أكتوبر 2021
+ الخط -

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها، في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، الخامس والعشرون من تشرين الأول/ أكتوبر، ذكرى ميلاد الفنان الإسباني بابلو بيكاسو (1881-1973).


لم يترك الفنان الإسباني بابلو بيكاسو مادة لم يبحث عن توظيفها في منجزه الفني. ويمتدّ هوس التوظيف هذا إلى ما هو أبعد: الأصدقاء، النساء، الحكايات، الشهوات، الذكريات، الفضائل والرذائل، الأحداث التاريخية والصغيرة، الشِعر، الكتب (...) كلها عناصر ألقى بها للنار كي يتواصل اشتعالُ فنّه. وقد نجح، كما لم يجل بذهن غيره، في إنتاج طاقة لا تزال تدفع بأعماله حتى بعد قرابة نصف قرن من رحيله.

ورغم أنه أحد أكثر المعاصرين ظهوراً تحت الأضواء، فإن دائرة من الأسرار ظلت تحيط به؛ وخصوصاً سر تدفّقه الإبداعي الذي لم ينضب حتى في سنوات الشيخوخة، أو تلك القدرة على الانتقال بين الأمزجة والمدارس والتغيّر باستمرار. 

لقد وفّر الفنان الإسباني لنفسه كل ما يحتاجه هذا التدفّق. كان كمن يقرأ اتجاهات التيارات الهوائية فيقف في مكان محدّد سرعان ما تلتقطه هناك قوى خفية فترمي به إلى قمة من قمم الفن والمجد.

هكذا التقط مثلاً لحظة التكعيبية في العقد الثاني من القرن العشرين. كان شاباً غريباً يبحث عن مكان تحت الشمس في عاصمة الأنوار، اكتفى لسنوات بتنفيذ لوحات يطلبها تجّار الفن فتشبّع بشكل عفوي بكل ما أُنجز قبله؛ ماتيس، ديغا، تولوز-لوتريك، فان غوخ، كوربيه، سيزان... وفي ذهنه كانت تتخمّر ثورته ولا تجد متنفّسَ تعبير، وكلما حاول الخروج عن النص كان يُواجه بالسخرية أو بمقابل بخس للوحاته. 

وفّر الفنان الإسباني لنفسه كلّ ما يحتاجه تدفّقه الفنّي

بدأ الاسم يلمع في الدوائر الفنية، ولكنه كان يحلم بما هو أكثر، فلما شاهد جورج براك في الغاليريهات الباريسية يتحدّث عن ثورة على "الأساتذة"، التقط الحبل - في لحظة تمازج فيها الصدق بالانتهازية - وبدأ الترويج للمدرسة التكعيبية التي تكسر كل القواعد والقوانين التي ينتظم الفن حولها منذ قرون، وفجأة أصبحت اللوحات التي كانت تباع ببضع مئات من الفرنكات مصدر ثروة حطّت عند بيكاسو وحده تقريباً، ففي الأثناء كان براك، الأب الشرعي للتكعيبية، قد غادر الصف الأوّل من الفنانين.

ولقد كتب مؤرخ الفن الفرنسي بيير ديكس، في معجم خصّصه لبيكاسو، عن هذه اللحظة قائلاً: "استحوذ بيكاسو على نافذة النجاح الذي فتحها براك"، لكن ذات المؤرخ يشير إلى أن بيكاسو لم يسرق ذلك، فلقد أعاد بناء الفرصة بعناصر من ذاته حتى بدا أنه "صاحب الفكرة الأصلية"، ويفسّر هذه القدرة لدى بيكاسو بتوفّر مقدرة تنظيرية كان يفتقدها الفنانون فلا يستطيعون أن ينقلوا ما أُنجز بمفردات الصورة إلى مفردات اللسان.

كان بيكاسو منتبهاً كذلك إلى السوق، وقد نجح في وضع عمله الإبداعي فوق الطرق السيارة للرأسمالية وهي تتعافى من أزمة 1929 أو ما بعد الحرب العالمية الثانية. لم يكن فنّه، على ما فيه من موهبة وعمق، يفقد الصلة بما هو مطلوب، وكان يعرف كيف يجعل من هذا المطلوب أقرب ما يكون إلى ما يريد أن ينجزه.

في بداياته الباريسية، لم يفلح في اختراق الدائرة المضيّقة للفنانين الكبار، لكنه حوّل لقاءه مع جامعة اللوحات غيترود شتاين إلى منعرج في تاريخ الفن. لم يعرض عليها أن تشتري عملاً من أعماله، لكنه دغدغ شعور الأنثى حين طلب منها أن تكون موديلاً يشتغل عليه، ورغم أن اللوحة التي رسمها لها لم تعجبها، فإن شتاين كانت قد اكتشفت مع زيارات مرسمه قارة فنية جديدة، وذلك كل ما يحتاجه الفنان الشاب كي يندمج مع سوق الفن. 

هذا الفتى الذي جعل من الذهنية الرأسمالية الصاعدة قارب نجاة من الفقر كان على مستوى الانتماء السياسي شيوعياً! لعلّ هذه الخلطة من المتناقضات من بين أسرار بيكاسو، وربما تفسّر حدّة خطوطه على اللوحة والشحنة العصبية لبعض الاختيارات في أعماله. لكن صاحب لوحة "آنسات أفنيون" كان يحسب جيداً خطواته السياسية، فهو شيوعي بالمبدأ العام لكنه على مسافة مع كل شكل تنظيمي، كما أنه مال إلى صفة "السَلاميّ" Pacifiste التي منحتها إياه إدانته الصارخة للحرب في لوحة "غرنيكا"، وربما أغراه الإشعاع الذي بات يُمنح للسلاميين، مثل غاندي وأنشتاين وشابلن، فتُغفر لهم زلاتهم ويتحوّلون إلى أيقونات معاصرة، فقرّر أن يدخل هذه الدائرة الضيقة، وقد رسّخ بيكاسو هذا الموقع حين اقترح "الحمامة البيضاء" كشعار عالمي للسلام. 

مع بيكاسو تحوّلت الحداثة إلى ثقب أسود ابتلع كلّ الفن

هذه التنقّلات السياسية الخفيفة كانت تُظهر حساً في فهم الجمهور. من البداية فهم أن اسمه الأصلي بابلو رويز لن يلمع، فاختار لقب والدته بيكاسو وهو حدس مبكّر يشير إلى فهم عميق لوقع الأسماء في الآذان. ثم كانت خطواته مدروسة، ينهمك في إتقان المبادئ والقوانين حتى يعرف من أين يكسرها، ويعرف متى يجاري المرغوب فيه، ومتى ينتقل إلى راديكالية غاضبة، وبذلك كان يحفر للحداثة الفنية مجرى سالكاً يؤمّنها من كل قطّاع الطرق، حتى تحوّلت هي إلى ثقب أسود ابتلع كل الفن تحت تصفيق بيكاسو المنتشي بنجوميته وبالثروة الضخمة التي حقّقها بداية من العقد الثالث من عمره، كاسراً بذلك نموذج الفنان على نمط فان غوغ البوهيمي وغير المعنيّ بالمال. مع بيكاسو ظهر نموذج الفنان-المقاول، جامع الثروة والأمجاد، ولم تكن تلك سوى سوائل أخرى يسكبها خدمة لمنجزه الفنّي.

جميع هذه المحرّكات التي استعملها بيكاسو خارجيةٌ، وبالتالي فهي غير كافية لتفسير أسطورته. كان التدفّق يحتاج إلى منشّطات متوفرة باستمرار، لم يخذله طموحه أبداً، ولم يفكّر لحظة بالاكتفاء بما حقّق، ثم لم يتوان في توجيه رغباته وغرائزه نحو أهدافه. كان نهماً في كلّ شيء؛ في العمل، والأكل، والجنس، والكتابة، والجدل. يُطلق رغبته دون ضوابط، دون اعتراف بإكراهات الواقع، ولولا هذا التدريب الحياتي لما كانت تلك النزعة الثورية لتظهر في لوحاته متجسّدة بذلك الحجم.

لم تكن هناك حدود فاصلة بين الفن والحياة الشخصية لبيكاسو، وهو ما تضيئه شهادات عدد من موديلاته حين أشرن إلى أن الفنان كثيراً ما يُقدم على اغتصابهنّ أثناء جلسات الرسم حيث تتداخل اللوحة بالواقع فيفقد كل تفرقة بينهما. وقد فتحت عليه هذه الشهادات باب المراجعات النسوية في السنوات الأخيرة، وجرى وصم فنّه بالميزوجينية وهو ما يشبه ما أقدم عليه النازيون خلال حياته حين عدّوا منجزه ضمن "الفن المحنطّ".

لم يكن بيكاسو غير واع بكل ذلك، فقد ترك أثراً لهذه المحرّكات الدفينة في ظاهر لوحاته وتخطيطاته، حين جسّد في لوحات كثيرة شخصيات رمزية تحيل إليه بشكل مباشر مثل الثور الهائج، وشخصية المينوتور (وحش بجسد رجل ورأس ثور)، والمهرّج الشرير، وكأنه يعترف بوجود شهية خطيرة في "التهام البشر"، وإن العارف بتفاصيل سيرة بيكاسو سيجد من ذلك الكثير. لننظر مثلاً إلى قائمة النساء اللواتي ارتبطن به: ماري تيريز، ودورا، وأولغا، وفرانسواز وجاكلين... جميعهن انتهين إلى حطام نفسي، بسبب القرب أو الهجر على حد السواء. جميعهنّ وقفن كل حياتهن تقريباً في نقطة بيكاسو، وبعضهن انتهين منتحرات.

لكنّ التهام البشر عند بيكاسو كان يتعدّى من يدخلن حياته الحميمية، فقد عرف عدد من أصدقائه مصائر مدمّرة، مثل رفيق رحلته الأولى إلى باريس كارلِس كاسيخيمس الذي انتحر بعد أن توقف عن مجاراة موهبة بيكاسو في الفن، وفشل علاقته العاطفية التي لم تكن بعيدة عن أنظار بيكاسو. أما الشاعر غيوم أبولينير فقد خذله بيكاسو حين جرى اتهامه بسرقة الموناليزا في متحف اللوفر واتضح أنه بريء لاحقاً، وكان بيكاسو يملك فرصة إنقاذه من البداية. ولم يكن حال رفيقه ماكس جاكوب أفضل فقد رفض بيكاسو أن يوقّع على طلب تحريره لدى سلطات الاحتلال النازي، فتوفّي جاكوب في معزله.

هؤلاء وآخرون كانوا قبل هذه النهايات المأساوية يغذّون أسطورة بيكاسو ويدفعونها إلى دوائر أبعد من البيئة الفنية، وكان الفنان الإسباني يبادلهم المودّة والتعاون، ولم يَصدر أذاه لهم من نوايا مبيّتة بل كان الأمر أقرب إلى حالة من اللامبالاة بدأت تنتابه منذ اندمج في أسطورته الفنية.

إذن، وراء العالم الملوّن الذي تقترحه لوحات بيكاسو توجد كل هذه البقع السوداء. ورغم ذلك، لم يبد بيكاسو إلّا سعيداً منتشياً طوال حياته، يصنع الجمال بكل ما هو حوله، وحتى ما لم يفلح في تحويله إلى جمال كانت قوة الترويج تفعل ذلك بدلاً عنه، فأي "شخبطة" تخرج من بين أصابع بيكاسو يقبلها الناس باعتبارها فناً.

هذه الآلة العملاقة كانت تدور بقوة اشتغال يوميّ ينهمك فيه بيكاسو بين مشاريعه الفنية ولقاءاته وإدارة حروب النساء من حوله، وهي حروب استمرّت بعد رحيله حول تركته الفنية والمادية، وتسبّبت في مآس جديدة وقد بدا أن كل من يقترب من إرث الفنان كان يأكل من كعكة مسمومة.

ما زالت أسطورة بيكاسو إلى اليوم تغذّي نفسها، ومن المؤكّد أنه لم يعد من الممكن أن ننظر إلى الفن وتاريخه من دون أن يكون الفنان الإسباني وسيطاً. لقد فرض نفسه على كل ما حوله. هل تراه بذلك قد التهمنا جميعاً؟

المساهمون