"انتفاضة 1987".. عن التنظيم والخطاب والمقاومة الشعبيّة

12 ديسمبر 2023
تلميذة فلسطينية تسدّ أذنيها في حين يطلق جنود صهاينة النار على المنتفضين، غزة، 1993 (Getty)
+ الخط -

في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 1987، انطلقت من غزّة الشرارة الأُولى لانتفاضة الحجارة، بعد أن دهس سائق شاحنة إسرائيلي مجموعة من العمّال الفلسطينيّين عند حاجز "إريز" الاحتلالي. ولكنّ أسباباً سياسية واقتصادية عميقة، ومن صُلب الواقع الاستعماري، تكمن وراء هذا الحدث الذي يُعدّ من أبرز محطّات النضال الفلسطيني الشعبي.

وبينما تمرّ، هذه الأيام، الذكرى السادسة والثلاثون على الانتفاضة التي استمرّت حتى عام 1993، بإعلان "اتفاقية أوسلو"، تتّجه الأنظار مُجدّداً إلى غزّة، في ظلّ الإبادة الجماعية الصهيونية المستمرّة منذ أكثر من شهرين. وضمن هذا السياق، يُمكن أن نرجع إلى كتاب "انتفاضة 1987: تحوُّل شعب"، الصادر عن "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" عام 2020، بتحرير روجر هيكوك وعلاء جرادات، وبمشاركة ثلاثة وعشرين باحثاً وباحثة.

تتأسّس فكرة الكتاب (397 صفحة) على أوراق ومُداخلات بحثيّة قُدّمت في المؤتمر الذي نظّمته المؤسّسة عام 2017، في "جامعة بيرزيت"، و"فندق الروتس القديم" بغزّة، و"دار النمر" ببيروت، بالتزامن مع ذكرى مرور 30 عاماً على الانتفاضة. وتنفتح هذه الأوراق على مروحة واسعة من المواضيع التي تُضيء أحداث الانتفاضة ومُسبِّباتها ونتائجها، وتقدّم رؤية شاملة سواء للمختصّين أو غير المختصّين.

قراءة الطاقات الانتفاضية انطلاقاً من مفهوم الحشد

"السوابق والاندلاع" عنوان الفصل الأوّل، الذي ضمّ ورقتَي: ماهر الشريف وروجر هيكوك. يتحدّث الأوّل عن "خلفيات الانتفاضة الشعبية الكبرى على صعيد الوعي والتعبئة والتنظيم وأشكال المقاومة"، مُبيّناً العوامل التراكمية التي هيَّأت الأرضية للانتفاضة، كما يُدلّل على بروز العامل الأهلي بقوّة فيها، مع فارق عن حضوراته السابقة، يتمثّل في أنه جاء مشفوعاً بوعي جمعي عام. 

أمّا هيكوك، فيتناول مفهوم "الحشود" ضمن ورقة بعنوان "الحشود في الانتفاضة: قراءة الإرادة العامّة"، مُلاحظاً انخراط الشعب الفلسطيني بكلّ طبقاته وأجياله وقطاعاته المختلفة؛ النساء والرجال، الطلّاب والأكاديميين، الداخل والخارج، في الانتفاضة؛ إذ "شكّلت المدارس والجامعات الفلسطينية عناصر أساسية في تعزيز الصمود وزخم المشاركة الشعبية. فقد استغلّ الطلّاب الإغلاقات المفروضة بالقوّة ليعودوا إلى مُدنهم ومخيّماتهم وقراهم لتنظيم الطاقات الانتفاضية للسكّان المحلّيّين وتدعيمها... وتمكّنت قيادة 'منظّمة التحرير الفلسطينية' من تأكيد نفوذها على الكوادر المحلّية، وهي عمليةٌ أدّت فيها آلة الفاكس دوراً مهمَّاً... فباتت عملية صوغ البيانات تُناقَش أوّلاً بأوّل قبل صدورها".

يتضمّن الفصل الثاني "البُنية"، ورقة بعنوان "القيادة الوطنية الموحَّدة والتنظيمات الإسلامية ومنظّمة التحرير في انتفاضة 1987"، شاركت فيها مجموعة من قيادات الانتفاضة، هُم: جمال زقوت وبسّام الصالحي وحسن يوسف وسمير شحادة وعمر عساف ورباح مهنا، والذين تناولوا عفويّة الانتفاضة بين غياب "حركة حماس" والفصائل الإسلامية عن القيادة الموحّدة، ودور قيادات 'منظّمة التحرير' في الخارج.

خلقت ثقة بين الجماهير ووصلت الجغرافيا الفلسطينية ببعضها

كما يحتوي هذا الفصل ورقة لغسّان الخطيب حول "علاقة الداخل بالخارج في سياق الانتفاضة الفلسطينية الكبرى"، وهو سؤال ظلّ يلحّ بشكل كبير على العلاقة بين القواعد الشعبية والقيادة السياسية الموجودة في تونس آنذاك. يلفت الخطيب، هنا، إلى صِيغ مختلفة من العلاقة مثل التكاملية والقلق والنزوع للتحكّم وتبايُن الأولويّات، وكلّها قد ظهرت خلال السنوات الستّ من عُمر الانتفاضة بدرجات متفاوتة.

وفي الفصل ذاته، يعرض عماد الصوص، في ورقته "حماس والمقاومة الشعبية: أنماط التعبئة والسيادة الداخلية"، لتزامن اندلاع الانتفاضة مع تأسيس "حركة المقاومة الإسلامية" (حماس)، ووضع ميثاقها السياسي عام 1988، والرؤية التي طرحتها باعتماد المقاومة الشعبيّة، وقدرتها على تأمين "تنظيم" سياسي، تستطيع من خلاله أن تستقطب الكوادر الجديدة، وتُخاطب الجمهور.

في الفصل الثالث "تصعيد"، يقدّم محمد فارس جرادات نموذجاً عن عائلة مقاومة، من خلال ورقته "انتفاضة الحجارة في نموذج عائلي كفاحي: شهادة حيّة عن الدور الكفاحي لعائلة المرحوم فارس بشير جرادات". فعندما أقدم قاسم، أحد أبناء هذه العائلة، على القيام بعمل فدائي انتهى باعتقاله، انخرطت العائلة بأسرها في المواجهة، فلُوحق أفرادُها وهُدم منزلها من قبل قوّات الاحتلال الصهيوني. لا يحتاج الأمر طول تفكّر ونحن نقرأ عن هذا النموذج، لنراه قد عاد ليتجسّد أمامنا اليوم والعائلات الغزّاوية تتعرّض إلى إبادة جماعية متوحّشة.

الانتفاضة - القسم الثقافي

وتنظر أمل زايد في مسألة خاصة وذات دور خطير، تتمثّل في "التعليم في الانتفاضة: استراتيجيات قمعيّة وتحرُّرية (1987 - 1993)"، مشيرةً إلى أنّ سياسات الاحتلال شملت تطويق القطاع التعليمي، سواء على صعيد المحتوى النظري المُقدَّم في المناهج، أو من حيث الفعل الطلّابي وأعضاء الهيئات التدريسية، وهؤلاء شكّلوا جزءاً مهمّاً من القواعد الجماهيرية التي رفدت الانتفاضة.

وتتقاطع مع هذه الرؤية، الورقةُ التي قدّمها عمرو سعد الدين، بعنوان "حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) وإرث الانتفاضة الأُولى"، والتي يذهب فيها إلى تِبيان الآفاق "الجديدة" التي فرضتها حركة المقاطعة عالمياً، مُعتبراً، ورغم كونها تنطلق من لبنة أُولى (اقتصاد الصمود)، أنّ تجذّرها على المستوى الأكاديمي والعالمي أعطاها زخماً أقوى ما زال مستمرّاً إلى اليوم، بل إن تياراً عالمياً، يُناصر القضية ويُندّد بالجرائم الإسرائيلية، هو في أساسه منتظِمٌ وفقاً لرؤية حركة المقاطعة وأدواتها.

حضور للطلّاب والأكاديميّين الذين تقدّموا صفوف المواجهات

"ردّات فعل" عنوان الفصل الرابع، وفيه مساهمات من: وليد حبّاس ومحمد ميعاري وسهاد ظاهر- ناشف وياسمين صالح ورجا الخالدي. وتتوزّع المحاور التي يتناولها الفصل على مواضيع عديدة، حيث تبرز، أوّلاً، علاقة الانتفاضة بفلسطينيِّي 1948 وما يتفرّع عنها من إسناد سياسي ولوجستي، وصولاً إلى تشكيل اللجان في الداخل، وخلق صلة مع الضفّة وغزّة والخارج. وكذلك وضعية اقتصاد الاحتلال إبّان الانتفاضة، وما خلقته من هيمنة على "جسد الفلسطيني/ة وروحه/ا". وتناقش سهاد ظاهر- ناشف الجسدَ من موقع ثنائي، فهو من جهة خاضع للوَسْم الاستعماري، ومن أُخرى يسعى للنهوض والتحرُّر. وهنا، نلفتُ إلى الصورة الأيقونية التي اتّخذها الكتاب غلافاً (صورة ميشلين عوّاد وهي تُلقي الحجارة على قوّات الاحتلال في بلدة بيت ساحور) وما تختزنه من قيمة كبيرة عن حضور المرأة الفلسطينية في انتفاضة 1987. 

حمل الفصل الخامس عنوان "عوامل ثقافية"، وفيه قراءةٌ لما أنتجه الحدث من أهازيج وأغنيات وسائر القِيم الفنّية، وبعضها امتدادٌ لما ولّدته حركة النضال الطويلة، حتى ما قبل عام النكبة، لكنّ أهمية هذا الإنتاج، حسب أوراق ثلاثة مُشاركين، هم: خالد عليان وخالد حوراني وعامر شوملي، تكمن في استعادته بالمستقبل، أي عند الثورات أو الانتفاضة الجديدة، فالتشكيل والتصوير والأيقونات البصرية التي تُصاغ على وقع التضحيات الشعبيّة، تجد من يُكمّلها ويعتمدها عبر الأجيال القادمة، ولا تنحصر وفق أُطر الراهن السياسي.

وفي الفصلَين الأخيرَين: "آثار" و"رؤية استرجاعية"، تعود نادية أبو زاهر إلى مفهوم عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو عن "رأس المال الاجتماعي" لتقرأ أثر الانتفاضة في "نوعيّته"، إيجاباً أو سلباً، انطلاقاً من العائلة واللجان الشعبية والترابط بينهما، وما نجم عنه من "ثقة عامّة". أمّا علاء العزّة فيستشرف "ممارسات تخليد انتفاضة 1987: الخطاب والرؤية"، ويرى أنّ إمكانية التخليد تتأتّى من رفض الواقع الاحتلالي، وليس من خلال النظر إلى الماضي فقط، بمعنى أنّ الذاكرة صيرورة آخذة بالتشكّل الدائم.

ويتناول ممدوح العكر العلاقة "المُلتبسة" بين منظّمة التحرير والانتفاضة، مشيراً إلى أنّ الثانية أعادت للأولى شيئاً من اعتبارها بعد أعوام على خروجها من بيروت. وفي السياق الاسترجاعي نفسه، يتساءل جورج جقمان عن أسباب انتفاضة 1987، بالمقارنة مع ثورات وانتفاضات أُخرى، سواء في فلسطين أو العالم العربي، وعن إمكانية اندلاع انتفاضة جديدة، لو قيَّضت الأسباب ذلك. ويختم المحرّران الكتاب، في كلمة أخيرة، بالدعوة إلى إحياء ما جرى نسيانه، والالتفات إليه كجزء من الذاكرة الشعبيّة والجمعية لمقاومة الاستعمار.

المساهمون