"الهجرة إلى الشمال: سيرة تاجر أمازيغي" لـ واتربوري: ترجمة عربية

29 نوفمبر 2020
الصورة
بطاقة بريدية تصور ساحة رئيسية في الدار البيضاء مطلع القرن العشرين
+ الخط -

"الهجرة إلى الشمال: سيرة تاجر أمازيغي" كتاب للأنثروبولوجي الأميركي جون واتربوري (1939)، نشر أول مرة عام 1972، لكن ترجمته العربية لم تصدر إلا مؤخراً عن "المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية" (اركام) أنجزها المترجم عبد المجيد عزوزي، والذي يقول لـ "العربي الجديد"، إنه بادر إلى ترجمتها استجابة لرغبة المعهد في نقل هذا العمل إلى العربية ولـ "أهمية الموضوع وارتباطه باهتماماتي حول الدراسات المنجزة حول الأمازيغ".

يقزل عزوزي "الكتاب دراسة قام بها واتربوري ما بين 1966 و1971، رصد من خلالها انخراط السوسيين في عالم التجارة والسياسة، وتناول التحولات الاجتماعية والسياسية في المغرب خلال هذه المرحلة، مركّزاّ على علاقة هؤلاء التجار بحزب الاستقلال ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والنضال في صفوف نقابة الاتحاد المغربي للشغل، دون إغفال دور هؤلاء التجار ضمن نضال الحركة الوطنية". 

ويضيف "ارتبط هذا العمل بالدراسة المعمّقة الأخرى التي أنجزها واتربوري حول النظام السياسي المغربي، والتي تمخّض عنها إصدار كتابه المعروف المعنون "أمير المؤمنين" The Commander of the Faithful. العمل في حد ذاته محاولة من طرف المؤلف للمساهمة في إغناء الدراسات في علم الاجتماع والاقتصاد والأنثروبولوجيا التي تستهدف نجاح بعض الأقليات في الحياة الاقتصادية"، كما جاء في المقدمة التي كتبها واتربوري خصيصا لهذه الترجمة العربية، وهي دراسات تتماشى مع ما أنجزه دارسون آخرون أذكر من بينهم ماكس فيبر ودافيد ماكليلاند.

الصورة
غلاف الكتاب

كتب الباحث الأنثروبولوجي محمد بنعل مقدّمة مفصّلة للترجمة، استعرض فيها أهمية الكتاب، والذي يرى أنه يتيح "الفرصة للجيليْن الثالث والرابع من حفدة ابُودْرَارْن لمعرفة التحولات الاجتماعية التي انخرط فيها أجدادُهم، وتفسير الظاهرة السُّوسية لإخراجها من التمثلات العفوية والأفكار النمطية بهدف دراستها بشكل منهجي". 

يدرس المؤلف السُّوسيين فقط، أي أمازيغ الجنوب الغربي للمغرب، وهذا التحديد ضروري من الناحية المنهجية لأن ظاهرة ممارسة التجارة، موضوع هذا الكتاب، لا تعني كل الأمازيغ بل السُّوسيين فقط، وقد سيطروا على تجارة التقسيط. ويهتم المؤلف بالتجار المنحدرين من قبائل أمْلْنْ، من خلال دراسة شخصية التاجر الحاج ابراهيم (المولود سنة 1914)، الذي أجرى معه مقابلات طويلة وعديدة، ما بين عامي 1965 و1968.

يصفه واتربوري التاجر في الكتاب بأنه "استثناء ضمن مجموعته، فهو قادر على اتخاذ مسافة بينه وبين تجربته الشخصية، وتحليل دينامية المجموعة التي ينتمي إليها، كما أن مساره عينة هامة من سيرورات السلوك والتغيير في المجتمع المغربي، ويختزن مجموعة من تجارب الحياة المتميزة والنموذجية التي تسمح لنا بالوقوف على ما حدث في المغرب في القرن العشرين. كما أن حياته تسمح بفهم توجهات التغيير المجهولة في المغرب".

في الكتاب تحليل لخمس ظواهر؛ التناقض الذي يتخلل الروابط الفردية والجماعية في المجتمع المغربي، التوازن المتلازم بين التنافس الشديد والمكتوم من جهة، والضغوطات للحفاظ على تضامن المجموعة من جهة ثانية، طبيعة هوية المجموعة، وكيف ينظر الأفراد من داخل المجموعة إلى من هم خارجها، كيفية تأقلم الأفراد والمجموعات مع الضغوطات الاقتصادية للمغرب المعاصر، مدى إمكانية الربط بين تجربة السُّوسيين في مجال المقاولة، والنمو الاقتصادي، والتغير الاجتماعي. 

يُعنى الكتاب كذلك بتحليل التغيرات السوسيوسياسية لمغرب القرن العشرين، وعلاقة المهاجرين السوسيين الأوائل بالوسط الحضري

ينقسم الكتاب إلى سبعة فصول هي على التوالي :وادي أمْلْنْ، قبليون أصبحوا تجارا، مظاهر أخلاقيات مهنة التجارة لدى السوسيين، “البُولِيتِيك”، الإسلام وعالم الحاج إبراهيم، ثم الفصل الأخير بعنوانى “تَشْيِيء الحاج ابراهيم والسُّوسيين”. كما يشمل الكتاب على ملاحق توزيع التجار الأمازيغ، ومسرد، وبيبليوغرافيا، ومحلق توضيحي لصور الكتاب.

يقول المترجم إن "العمل يجمع التاريخ بالسوسويولوجيا والأنثروبولوجيا، حيث يتناول سياق استقرار أمازيغ جنوب المغرب (إسوسييْنْ) في الأوساط الحضرية، خاصة منها الدار البيضاء. ويُعنى الكتاب كذلك بتحليل التغيرات السوسيوسياسية لمغرب القرن العشرين، وعلاقة المهاجرين السوسيين الأوائل بالوسط الحضري، فضلا عن التطرق إلى التحديات الثقافية التي يواجهونها من أجل الحفاظ على هويتهم الثقافية والتعبير عنها"

أهمية هذا الكتاب تكمن كذلك في منهجيته المنفردة؛ فعوض الارتكاز، مثل العديد من الأبحاث الأكاديمية، على الإحصائيات والاستمارات وتعدد الاستجوابات ارتأى الكاتب استعمال سيرة ذاتية لتاجر واحد استطاع أن يعطي بها صورة عن الظاهرة السوسية. وقد مكنه ذلك، حسب ما دونه في مقدمة الطبعة الإنجليزية، من أن لا يطمس "الصعود المشوِّق" للسوسيين بالدار البيضاء بمنهجية عقلانية كانت ستبقى حبيسة التقنية.

تقول الباحثة مديحة الصبيوي في قراءة لها حول العمل إنه "يندرج في إطار اهتمام واتربوري بالموضوع ضمن اشتغاله على ثيمة أوسع، تتمحور حول التغيرات التي ساهمت مجموعات معينة من الأشخاص في إحداثها خلال فترات معينة من تاريخ المغرب الراهن".

وتكمل "الكتاب عبارة عن سيرة اجتماعية لأحد التجار المنحدرين من أملن، حاول الباحث من خلالها الإجابة عن بعض الأسئلة المركزية المتعلقة بالموضوع، من قبيل: لماذا وكيف أصبحت هجرة السوسيين إلى مدن الشمال ظاهرة جديرة بالاهتمام؟ لماذا احترف كل المهاجرين التجارة؟ وكيف برعوا في أنواع محددة منها، إلى درجة أنه لا أحد أصبح ينافسهم فيها؟ ثم إلى أي حد ساهموا في إدخال التغيير إلى المجال الاقتصادي في المغرب؟".

المساهمون