العالم غير المحدود للبشر

العالم غير المحدود للبشر

20 فبراير 2022
حنا مينه (1924 - 2018)
+ الخط -

تستقي الرواية من الواقع بصورة دائمة، فالواقع مادّة لا تنضب. لكن مهما بدا الروائي منفتحاً على الواقع ومتقبّلاً له ويريد تصويره تصويراً شاملاً، فإنّ ذلك غير ممكن، ومحدوديّة الإنسان تَقْصُره على أن يكون انتقائياً، وأن يختار جزءاً محدّداً ومحدوداً مِنْ كُلٍّ غير محدّد ولا نهائي. عندما ينظر الروائي إلى الواقع بكليّتهِ يجد نفسهُ متواضع الإمكانيات، لذلك نجد أنّ الكُتّاب الناجحين صنعوا واقعاً فنيّاً خاصّاً يحاكي الواقع من غير أن يكونه.

تبدأ مفردات الروائي من البيئة التي يستلهم منها، ثمّ من الأفكار التي تشغله. بذلك نحن نعرف كتابة حنا مينه (1924 - 2018) في مجتمع الصيّادين والبحر، مثلما نعرف كتّاباً آخرين يكتبون في أُطر أُخرى؛ مثل مناهضة الاستبداد السياسي أو تتبع آلام الحروب الأهليّة، وما إلى ذلك من موضوعاتٍ لا تنتهي. ومجدّداً؛ لأنّ الكُتّاب يستقون من واقع لا محدود، فإنّهم يختارون بيئات ويعملون عليها، ثمّ من ضمن البيئات يختارون أبطالاً لتمثيل البيئة التي حدّدوها، مثل البطل الشعبي في روايات مينه.

ومثلما يقتضي مجتمع الصيّادين بطلاً شعبياً، تقتضي رواية تتحدّث عن الاستبداد السياسي وجود شخصيات تمثّل النخبة مثل شخصية المثقّف، وشخصيات أُخرى تمثّل الجموع، لتعرض الرواية تفاعلهما إزاء بعضهما وإزاء الموضوع؛ إذ تنمو الرواية الناجحة في بيئةٍ من الصراع، وبعد اختيار البيئة والشخصيات يختار الكاتب ما يتصارعون عليهِ. عن أيّة قيم تدافع شخصياته، أو أية قيم تمثّل مقولة الرواية. وفي وجه أية قيم تنتفض؟

الفنان هو من يجيد توظيف الأدوات الإبداعية والتحرك من خلالها

تختبر الشخصيات في الرواية السياسيّة أفكاراً مرتبطة بتغيير مصير الأفراد والمجتمع، مثل العدالة الاجتماعية والحريّة. أمّا في رواية البحر على سبيل المثال - كما في رواية حنا مينه "الشراع والعاصفة" - فيصارع البطل الطبيعة، حيث يخوض الطروسي معركته ضد البحر. إنّه فرد يواجه الطبيعة، والقيمة التي يمثّلها أو يدافع عنها هي الثورة. كما لا ننسى أنّ مينه أحد روّاد الواقعية الاشتراكية في الرواية العربية.

يجد الكاتب نفسهُ مدفوعاً على نحوٍ ما إلى اختيار البيئة والشخصيات والقيم، فعالم البشر هو عالم لا محدود. وبعد جملةِ اختياراتٍ تُشكّلُ المفردات التي تميّز كاتباً عن الآخر، تبدأ آلة الفنّ بالعمل، وهي مرتبطة بالآلية التي تتفاعل من خلالها عناصر الرواية المختلفة، بالأسلوب وبالشكل. ويتساءل الكاتب أثناء عملية الكتابة عمّا سيفعله بالعناصر التي وجد نفسه مدفوعاً إلى اختيارها، وكيف تتفاعل شخصية مثل الطروسي مع البحر الذي تفوق قوّتُه قدرة البشر؟

يعمد حنا مينه لأداء ذلك عبر تصوير العاصفة التي يتعرّض لها الطروسي تصويراً لا يُنْسَى، وتصبحُ المعركة مع البحر معركة للنجاة. وقد كان تصوير العاصفة بقوّتها وجبروتها أمام محاولات الطروسي الشجاعة كي ينقذ المركب ويعود "رَيّساً" إلى الميناء؛ أداة الفنّ الروائي التي استخدمها مينه كي يقول ما أراده. إنّ الوصف والتصوير الملحمي للعاصفة جعل البطل يكتسب بعداً ملحمياً، والوصف الدقيق الشامل هو الأداة التي تفاعلت بفضلها عناصر الرواية.

تظهر مقدرة الروائي في صياغة عالمه، لا عبر العناصر التي يختارها، وإنّما في الكيفية التي تتفاعل من خلالها هذه العناصر. أي، كيف يعيد إخراج الواقع الكامل في حكاية خاصّة به؟ كما لو أنّ عبقرية الروائي تقتصر على إدارة عناصر الحكاية وتصوير تصارعها. الذي صنع نجاح رواية حنا مينه لدى القارئ، هو أنّه خلق تعاطفاً، باستخدام الوصف، مع بطلٍ استثنائي. والفنّان هو من يجيد توظيف الأدوات الإبداعيّة والتحرّك من خلالها في عالم البشر غير المحدود.


* كاتب من سورية

موقف
التحديثات الحية

المساهمون