الشرّ طبيعة صهيونية

الشر طبيعة صهيونية

01 نوفمبر 2023
رجل فلسطيني ينتشل طفلاً من تحت الأنقاض إثر غارة صهيونية على مخيم النصيرات، أمس (Getty)
+ الخط -

تطالعنا جرائم المستعمرة الصهيونية عند قراءة كتاب الأكاديمي الأسترالي لوك راسل "الشر- رؤية فلسفية". مع أنَّ جزءاً من فرضية الكتاب قائمة على مفارقة صارخة إذا ما وضعها القارئ أمام الجرائم التي تقترفها "إسرائيل". وجوهر تلك المفارقة أنَّ جزءاً من الفرضية التي يعالجها الكتاب يتعرَّض لهتلر كنموذج عن الشر، ويأخذ النازية ومعسكرات الاعتقال التي عانى منها اليهود أمثلة عن أفعال الشر.

الكتاب الصادرة ترجمته العربية هذا العام عن "دار الكرمة" بتوقيع محمد هوجلا-كلفت، بحثٌ يسعى إلى إيجاد تعريف محكم لـ مفهوم إشكالي ونسبي هو الشر. ولو أنَّ ما يستدعي المقارنة مع جرائم الاحتلال، صنف من الشر يتعرَّض له الباحث الأسترالي، وهي جرائم الإبادة وتسخير أجهزة كيان الاحتلال لأغراض القتل الجماعي. ويتمثَّل الشر الذي يعتد بهِ الكتاب عند؛ مجرمي الحرب، والحكام الديكتاتوريين، وفي العمليات الإرهابية التي تحدث ضدَّ المدنيين. 

محاولة إخراج مليوني إنسان من الخريطة الإنسانية هي أوضح تعريف للشر

يبدأ الباحث من خطاب جورج بوش الذي أعلن فيه الحرب على الإرهاب، زاعماً أنَّ حربه حربٌ على الشر، وهو خطاب استقطابي، يذكره الباحث إلى جانب عدد من الخطب السياسية الغربية التي قيلت عند تفجيرات إرهابية حدثت ضدّ مدنيين في الكنائس ومحطات المترو. لكن بحسب الباحث، فإنَّ هذه العمليات كانت ردة فعل على السياسات الغربية. إذاً، فالمسألة ليست بتلك البساطة أن نحكم على فعلٍ بأنَّه شرير. إذ حتى ما اتفق على اعتباره شراً يوجد من يسوّغ له ويبرر نشأته. في الأحوال جميعها، تبقى لمفردة الشر تلك السطوة التي تدفع أحدهم إلى تبني موقف حدي ضد فعل الشر.

مع أنَّ الكتاب يحاول تفسير الشر الذي أدَّى إلى حدوث الهولوكوست بدافع كراهية اليهود (معاداة السامية)، إلا أنَّنا وباستخدام مفردات الكتاب نفسها، لا نجد ما يمنع الاستنتاج أن "إسرائيل" بذاتها مثال صريح ومباشر عن الشر. وهو شر من الوضوح أنَّه لا يحتاج إلى تحليل؛ إنَّه شر نقي وصارخ. والتحليل الذي قد يسقطه المرء من الكتاب على الصهاينة؛ ليس أكثر من استئناس بهذا النوع من الإجرام الذي بدا أنَّه انسلَّ من النازية التي كان اليهود ضحيّتها. كما تتأتى مقاربة الشر الإسرائيلي بالشر النازي في أنَّ لهما الادّعاءات ذاتها بأنَّهما يخوضان معركة الخير. 

هذا تعليق على الكتاب، تعليقٌ لا يقوله الباحث ولا يشير إليه، لكن يمكن للمرء أن يستنتجه بلا عناء؛ لا سيما إن كان يقرأه وهو يطالع  أخبار الإبادة التي تأتي من فلسطين يومياً منذ بدء العدوان. وبحسب راسل، فالأشرار لا يظهرون الندم على سلوكهم، ولا يعتبرون أفعالهم إجرامية. والكتاب أساساً يبحث عن تعريفٍ للشر باعتبار أنَّه فعل خاطئ أخلاقياً ويتسبّب بأذى بالغ. وفي فصول عديدة من الكتاب، يحدد الباحث تعاريف متقاربة يلتقي معظمها على المبالغة في إلحاق الضرر على نحو يوجب اللوم، والمبالغة في التسبّب بالرعب. كما أنَّ للشرير بحسب راسل ميلا قويا وثابتا ومتينا للقيام بالأفعال الشريرة. لكن بموازاة هذه التعاريف كلها، وأمام جرائم الاحتلال، لا أخال وجود تعريف للشر أكثر وضوحاً ممَّا تقوم به "إسرائيل"، ولا أعتقد بوجود تعريف أكثر وضوحاً لفعل الشر أكثر من استهداف المستشفيات، ومحاولة إخراج أكثر من مليوني إنسان من الخريطة الإنسانية.

أمرٌ يفعله الاحتلال بدون رادع. ومفارقة الكتاب أنَّه يستعين بالنازية كي يعرّف لنا الشر، لكن ونحن نطالع الأخبار؛ نستعين بـ "إسرائيل" كي ندرك إلى أي مدى من الشر يمكن للإجرام الإسرائيلي الصهيوني أن يصل.  

* روائي من سورية

موقف
التحديثات الحية

المساهمون