آرييل دورفمان.. عن زمنٍ بلا وجهٍ ولا ذاكرة

آرييل دورفمان.. عن زمنٍ بلا وجهٍ ولا ذاكرة

18 نوفمبر 2021
آرييل دورفمان (يمين الصورة)، يقرأ نصّاً في "مكتبة نيويورك العامة"، 2011 (جوري كلاين)
+ الخط -

رواية "مَسْكَرا" للروائي والكاتب المسرحي الأرجنتيني ـ التشيلي آرييل دورفمان (1942)، الصادرة عن "دار نينوى" بترجمة عهد صبيحة، تستطلع كيمياء بشرٍ خاصّين. فالروائي صنع شخصيّاتٍ تشبه العيّنات المخبريّة، ومن ثمّ وضعها في تجربةٍ تعكس ــ بصورة صادمة ــ الزيف الذي يستهلك البشر في الواقع.

في الرواية رجلٌ من غير وجه، يدعوه طبيبهُ السيّد "لا أحد" لأنّه غير مرئي، فلا أحد يراه كي يكون موجوداً بالنسبة إلى الآخرين؛ وطفلة من غير ذاكرة، وقد توقّف نموّها قبل الخامسة من عمرها، من جرّاء صدمة نفسيّة خلّفها اعتداءٌ غامض عليها. الـ"لا أحد" والطفلة شخصيّتان مصطنعتان، لا نراهما في حياتنا سِوى في اللغة والمجازات: كأن يُدان أحدهم بأنّه "متقلّب الوجوه" أو "بلا وجه"، أو عبر التعبير لآخر بأنّ ذاكرته "سَمَكيّة" أو "مؤّقتة". لكنْ، واقعياً، هي شخصيات غير موجودة خارج الإحالات التي تصنعها اللغة. حتى في الرواية، فهي ترافق الآخرين ويتمّ استغلالها لصالح الآخرين. إنّها شخصيات لا تستطيع أن تعيش من تلقاء ذاتها.

لذلك نجد الرجل الذي لا يملك وجهاً يحتاج إلى وجوهٍ كي يظهر من خلالها، ليستثمر سنوات حياته على الرغم من أنّ أحداً لم يكترث لوجوده. وتحتاج الطفلة أوريانا إلى مَن يحميها بصورة دائمة، فهي تعيشُ بعقل طفلة، وجسد امرأة بالغة. إذاً، تتحرّك الرواية بخيوط واقعية، ولو بدت شخصياتها غير واقعية، إلّا أنّ المنطق الذي يسود في الرواية هو ذاته المنطق الذي يسود في الحياة.

سرد للفساد في مدينة قد تكون في الأرجنتين أو في مكان آخر

إلى جانب هاتين الشخصيّتين اللتين تحتاجان إلى مَن تظهران عبره أو تحتميان بهِ، تحضر شخصية بارعة يمثّلها طبيب التجميل ميرافيللي، الذي يرسم الروائي، من خلاله، حياةً يرتدي فيها النّاس وجوهاً هي محضُ أقنعة، ولديهم حاجة دائمة إلى النّسيان، كي يُتاح لهم تغيير أفكارهم، ما إن يُغيّروا وجوههم. كما يتحقّق مع طبيب التجميل الجوّ السياسي الاجتماعي الفاسد الذي يحاكيه الكاتب في مدينة ربما تقع في تشيلي أو في الأرجنتين، إذ لا يوجد ما يشير إلى المدينة الفاسدة التي تصلح أن تكون مُدناً كثيرة في زمانٍ مشترك يُزيّف القيم والوجوه.

يصنع كلّ من الـ"لا أحد" وطبيبه شبكاتهما الخاصّة، وكلاهما يريد أن يستخدم الآخر، أو يقتّص منه. يصنع طبيب التجميل شبكتهُ من خلال العمليات التي يجريها للأغنياء والمتنفّذين، وقد بدأت شبكته الفاسدة هذه من نقل وجه سياسي عند وفاته إلى ابنه الشاب؛ بهذا تُتَوارث السلطة، وتتجنّب المدينة التي تدور فيها الأحداث الفوضى والفراغ السياسي.

أمّا بالنسبة إلى الرجل عديم الوجه، فقد صنع شبكتهُ عبر ابتزاز الآخرين بمجموعة من الصور الفاضحة التي التقطها لهم في الخفاء، فهو غير مرئيّ، وسلاحهُ الكاميرا التي تمثّل أداة متعته أيضاً. يستخدم قواه الخفيّة كي يحصل على وظيفة عامل أرشيف في إدارة المرور، إلى جانب كون الرجل الذي بلا وجه يمتلك ذاكرة قوية في ما يتعلّق بالوجوه. بذلك أصبح قادراً على معرفتها من خلال التعابير وحركة عضلاتها، حتى بعد تغيير تلك الوجوه عن طريق الدكتور ميرافيللي.

الصورة
غلاف

في الجانب الآخر، فإنّ ميرافيللي يريدُ الوصول إلى السيد "لا أحد" كي يُصلح غلطته في بداية مشواره المِهَنيّ، حيث التقى بالرجل الذي لا يملك وجهاً عندما كان رضيعاً، ومن ثمّ تركهُ يمضي إلى حياته المرسومة له. تركه يضيع بين الناس. وعندما التقيا بعدما صنع كلّ منهما نجاحاً ومهنة وشبكة فاسدة، لم يكن ميرافيللي مستعدّاً لإضاعته مرّة ثانية، فهو يريد أن يستخدم خلايا من وجهه لتطوير أبحاثه، ويريد أيضاً أن يأخذ وجه الذي لا يملك وجهاً كي يجول العالم دون أن يعرفه أحد. لكن، للمفارقة، فإنّ السيد "لا أحد" يموت في غرفة العمليات.

تقف وراء هذه الحبكة البوليسية ــ التي يصنعها رجال شرطة وجواسيس ومتحرّون سريّون ــ دوافع إنسانيّة خالصة، فالرجل غير المرئي جعلهُ الحبّ يبدو مرئياً. أعادهُ الحبّ إلى الوجود، ما جعله يفكّر بالدفاع عمّن منحته ذلك الإحساس بالوجود. لكن عندما يبدأ بتحريك شبكتهِ ضدّ طبيب التجميل، يطردهُ الأخير خارج العالم الذي صنعه، فيتنكّر له أولئك الذين صنع أمجادهم، بعدما حاز عليهم الطبيب من خلال السلطة، ومن خلال الأجهزة التي يتركها وراء وجوههم الجديدة.

المجتمع الزائف يُقصي مَن يواجه زيفَه بوضوح ونزاهة

إذاً، ليست أهمّية الرواية ــ التي قدّم لها الروائي الأسترالي الجنوب أفريقي، حائز "نوبل"، جون ماكسويل كوتزي (1940) ــ في ما تُظهِره من عالمٍ مصطنعٍ ومُحْكَم فحسب، إنّما في الدوافع التي تحرّك الرجل الذي لا يملك وجهاً، ويبحث، من غير أن يعي، عن طريقة كي يعترف الآخرون بهِ. وعندما يلتقي بالطفلة أوريانا يكتشف أنّ الطريقة التي تُشعره بوجوده هي أن يُحَبّ. لكنْ تُهدّد أوريانا الطفلةَ أوريانا أُخرى تسكنها، وترفض البقاء طفلةً. يبحث الـ"لا أحد" عن صورة لوجه الطفلة أوريانا عندما كانت في عمر الرابعة، ويطلب من ميرافيللي أن يعيده إليها، كي يتخلّص من أوريانا الناضجة ويطردها خارج جسد الطفلة. لكنّ السيد "لا أحد"، الذي أخضعه الحبّ إلى تسويات مع غريمهِ، يفقد حياته أثناء العملية بعدما أبرم صفقةً تقتضي انتزاع وجهه مقابل تركيب وجه الطفلة لأوريانا، التي تهرب مجدّداً وتبحث عمّن يحميها. أليس هذا العالم الذي صنعه دورفمان في مختبر خاص هو عالم شديد الواقعية؟

الرجل الذي لا يمتلك وجهاً والطفلة التي لا تمتلك ذاكرة، هاتان الشخصيّتان اللتان خرجتا من مختبر دورفمان، عادتا إليهِ أو تبخّرتا. فالواقع لم يحتملهما، وإنّما استخدمهما فقط بصورة إيحاء لغوي. إذ لا يبدو أنّ النظام الزائف الذي يشكّل حياة البشر يقبل بوجوهٍ حقيقية، والمجتمع الزائف يُقصي مَن يواجه زيفَه بوضوحٍ ونزاهة. أمّا بالنسبة إلى الرجل الذي عاش من غير اسمٍ ولا وجه، فقد مات وعلى وجهه ابتسامة. كما لو أنّ الموت قد تعرّف على وجهه، بخلافِ الحياة التي تجاهلته. 

"الفتاة التي أحببتها، وحميتها، كانت تحوّلني بالتدريج إلى رجل مرئيّ. شعرتُ، فجأة، كما لو أنّ علامة أو ندبة قد بدأت تنمو على نحو واضح في ما أسميه وجهي؛ شيئاً ما من شأنه أن يُعرِّفني".

بطاقة
Ariel Dorfman روائي وكاتب مسرحيّ أرجنتيني ـ تشيلي، من مواليد بوينس آيرس (1942). يعمل أستاذاً للأدب في "جامعة ديوك" بالولايات المتّحدة. عرف عددٌ من أعماله نجاحاً جماهيرياً، مثل مسرحية "الموت والعذراء" (1990) التي حوّلها رومان بولانسكي فيلماً بالعنوان نفسه (1994). صدرت روايته "مَسْكَرا" (الغلاف) بالإسبانية عام 1988، ونشر من ذلك الوقت العديد من الأعمال في السرد والمقالة والمسرح، آخرها "شبح داروين" (2021).


* كاتب من سورية

المساهمون