"معرض مدريد للكتاب": الاحتجاجات الكولومبية ضيفةَ شرف

"معرض مدريد للكتاب": الاحتجاجات الكولومبية ضيفةَ شرف

17 سبتمبر 2021
احتجاجات في مدريد ضدّ زيارة الرئيس الكولومبي إلى إسبانيا، 12 أيلول/ سبتمبر الجاري (Getty)
+ الخط -

في إطار زيارة رسمية إلى إسبانيا بدأها أمس وتستمرّ حتى الغد، من المنتظر أن يحضر الرئيس الكولومبي إيفان دوكي "معرض مدريد للكتاب"؛ حيث عادت حديقة ريتيرو بالعاصمة الإسبانية، منذ الجمعة الماضية، وحتى السادس والعشرين من الشهر الجاري، إلى احتضان النسخة الثمانين من المعرض، بعدما حال تفشّي وباء فيروس كورونا دون اجرائه العام الماضي. بيد أنّ كولومبيا، البلد الضيف لهذه النسخة، في "إطار الأخوّة الضرورية مع أميركا اللاتينية"، جاءت وجلبت معها الاحتجاجات الشعبيّة، التي تعيشها البلاد منذ أواخر نيسان/إبريل الماضي. 

"لا نريد أن يتحوّل معرض أدبي إلى ساحة سياسيّة"، بهذه العبارة أثار السفير الكولومبي في إسبانيا غضب الكتّاب الكولومبيين، الذين حُرموا من حضور المعرض، مقابل دعوة من سماهم بالكتّاب "المحايدين"؛ تعبيرٌ أزعج بعض الكتّاب المدعوّين ــ مثل ميلبا إسكوبار، ومارغريتا غارسيا روبايو، وخوان إستيبان كونستين، وخوان غابرييل فاسكيز ــ الذين قرّروا في النهاية رفض المشاركة... ولم يعد يفيد الاعتذار المتأخّر بشيء.

بيداد بونيت وهيكتور أباد فاسيولينسي، القائمان على مشروع "بوغوتا 39"، الذي أنتج جيلاً واعداً من الكتّاب في أميركا اللاتينية دون سن الأربعين، من بينهم بيلار كوينتانا التي فازت مؤخراً بجائزة "ألفاغوارا"؛ فيرناندو فاليخو، وويليام أوسبينا، وبابلو مونتويا، الذين جعلوا كولومبيا تُهيمن على جائزة "رومولو غاليغوس" خلال العقدين الماضيين؛ لورا ريستريبو، وسانتياغو جامبوا، وبقية المستبعدين من الحضور، لديهم شيءٌ مشترك واحد: كانوا جميعاً ينتقدون بشدّة حكومة دوكي.

رفض كتّابٌ كولومبيون المشاركة في معرض يحضره رئيس بلادهم

يُجادل الصحافي فيليكس دي بيدوت، على سبيل السخرية، بأن "مع معايير الأدب المحايد هذه، لم يكن غابرييل غارسيا ماركيز ليكون مدعوّاً". لكن هذه المعايير لا تنسحب على الرئيس دوكي، إذ يشهد المعرض تقديم الجزء الثاني من كتابه عن "الاقتصاد البرتقالي"، لأوّل مرة. ويستمرّ تناقض الحكومة، عندما تأتي بسياسات عقابية ورقابة حادّة تجاه الكتّاب، في ظل الاقتصاد البرتقالي، الذي يعرف أيضاً باقتصاد الإبداع، باعتباره نموذجاً قائما على "توليد الثروة من خلال الموهبة والاتصال والتراث الثقافي".

الفاشية النيوليبرالية
تولّى دوكي الرئاسة سنة 2018، بصفته أصغر رئيس في تاريخ البلاد، وبأقلّ نسبة تأييد في استطلاعات الرأي (40% فقط وفق مؤسسة "غالوب" الأميركية) منذ انتخابات 1994. مع هذا، كثيراً ما تصفه وسائل الإعلام المعارضة بـ"نائب الرئيس" أو "دميةُ" أوريبي؛ في إشارة إلى الرئيس السابق ألفارو أرويبي، الذي لعب دوراً كبيراً في ترشيحه عن حزب "المركز الديمقراطي"، باعتباره الرئيس الفعليّ للبلاد. 

قبل أن يكمل دوكي عامه الأول في السلطة، ارتأت الفيلسوفة الأرجنتينية لوسيانا كادايا وصف سياسات حكومته بـ"الفاشية النيوليبرالية". سياسات ستُفضي بين عامَيْ 2019 و2020 إلى أكبر احتجاجات تشهدها أميركا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة، بسبب تدابير التقشّف القاسية، وعدم المساواة في الدخل، ووحشية الشرطة، وازدياد العنف ضد السكّان الأصليين، إلى جانب انتهاك معاهدة السلام التي تمّ التوصل إليها سنة 2016 (اغتيل أكثر من 1200 من المقاتلين السابقين الذين ألقوا سلاحهم).

في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بسبب جائحة فيروس كورونا، تقدّمت الحكومة بـ"مشروع رجعي يحافظ بأفضل أسلوب نيوليبرالي على جميع الامتيازات لأصحاب الأموال وكبار رجال الأعمال ويهدف إلى أن يدفع العمال وعامة السكّان ثمن الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بسبب الوباء"، وفق تعبير "مجلس أميركا اللاتينية للعلوم الاجتماعية". 

ينصّ مشروع الإصلاح الضريبي الجديد على توسيع ضريبة القيمة المضافة لتشمل المزيد من الكولومبيين، بما في ذلك ضريبة الحصول على مياه الشرب ــ في مخالفة لنصّ الدستور؛ وضريبة على خدمات الإنترنت وأجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية في نفس الوقت الذي تروّج فيه الحكومة للعمل الافتراضي من المنزل. والأكثر من كل ذلك: إلغاء اعفاءات الضرائب على خدمات الجنازة وحرق الجثث، في بلاد يتناوب فيها الوباء، الذي فشلت الحكومة في احتوائه، والعنف المسلح، المدعوم بشكل كبير من الحكومة، على حصد أرواح الناس.

عودة الاحتجاجات
إلى ذلك، عادت الاحتجاجات بقوة في نيسان/إبريل الماضي، للعام الثالث على التوالي، وتسبّبت في إلغاء استضافة كولومبيا لبطولة "كوبا أميركا" في حزيران/ يونيو. لكنّ هذه المرة، وُوجِه المتظاهرون بعنف أكبر، راح ضحيّته عشرات القتلى، والآلاف من الجرحى والمعتقلين والمفقودين، إلى جانب الاعتداءات الجنسية على النساء. وبموازاة الاحتجاجات الشعبيّة التي ما زالت مستمرّة، وغضب الأوساط الثقافية في الصحف الناطقة بالإسبانية، يجهّز الكولومبيّون المقيميون في أوروبا أنفسهم للاحتجاج ضد زيارة دوكي إلى إسبانيا.

خلال الزيارة، بمناسبة مرور 140 عاما على العلاقات الثنائية بين البلدين، يجري منْح الرئيس الكولومبي وسام "إيزابيل لا كاتوليكا"، أحد أرفع الأوسمة التي تمنحها الدولة الإسبانية؛ والذي يهدف إلى "مكافأة تلك السلوكيات غير العادية ذات الطابع المدني، التي يقوم بها الإسبان والأجانب، وتعود بالفائدة على الأمّة، أو التي تساهم، بطريقة مناسبة، في دعم علاقات الصداقة والتعاون بين الأمّة الإسبانية وبقية المجتمع الدولي"، بحسب موقع وزارة الخارجية الإسبانية. 

لم يكن ماركيز ليُدعى لو طُبّقت عليه معايير الحيادية المطبقّة حالياً

ولا تقتصر الاحتجاجات على الكولومبيين وحدهم، إذ أعلنت عدّة تيّارات السياسية الإسبانية، على رأسها حركة "بوديموس" ومجموعة "اليسار الموحد" (شركاء "حزب العمّال الاشتراكي" في الحكومة)، وأكبر منظّمتين نقابيتين في البلاد، "الاتحاد العام للعمّال" و"اللجان العمالية"، مشاركتها جميعاً في الاحتجاج ضد ما سموه "حكومة الإبادة الجماعية" في كولومبيا، ورفض تكريمها من قبل الحكومة الإسبانية.

صمت ماريو فارغاس يوسا
بينما يعبّر زملاؤه في صحيفة "إل بايس" عن مواقفهم من استبداد دوكي، يلوذ الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا بالصمت، تجاه عنف وفاشية الحكومة الكولومبية. كيف لا، بعدما لعب الفائز بجائزة "نوبل" للآداب دوراً كبيراً في دعم دوكي خلال الانتخابات الرئاسية. وهو أمرٌ لم ينسه دوكي، الذي دائماً ما أشار إليه باعتباره "معلّمه"، كما منحه وسام "بوياكا"، أرفع تكريم في كولومبيا، بعد تولّيه السلطة. 

في بداية العام، كتب يوسا مقالاً يبشّر فيه بدوكي كمثال يجب أن تحتذي به بقية أميركا اللاتينية، معبّراً عن إعجابه به منذ أن التقاه أوّل مرة. ثم ذهب، في نفس المقال، إلى كيل المديح إلى الرئيس السابق أوريبي، باعتباره الرجل الذي "دائماً ما احترم الحرية والشرعية"، من دون أن يلتفت إلى مساوئ عهده: من نزوح قرابة مليونين ونصف المليون (وفق الأرقام الرسمية) بشكل قسري من المناطق الغنية بالمعادن وموارد الطاقة، ودعم المليشيات اليمينية المتطرّفة التي كان من بين قادتها شقيقه سانتياغو، وصولاً إلى فضيحة الجثث الوهمية التي راح ضحيّتها آلاف المدنيين من قبل الجيش النظامي. لا يعني كلّ هذا شيئاً، بالنسبة إلى يوسا، لأن أوريبي "أحد ضحايا حملة التشويه من قبل اليسار المتطرف"، بكل بساطة.

لم تُغير الاحتجاجات الأخيرة رأي يوسا. حتّى عندما دعا أوريبي بشكل علني الجيش والشرطة لإطلاق النار على المتظاهرين، وبدأ الضحايا يتساقطون، كان يفضّل دعوة دوكي إلى بعض المنتديات السياسية التي ينظّمها، للحديث عن الاستبداد في فنزويلا، وعن مواجهة الموجة الشعبويّة في أميركا اللاتينية، وعن فرضية تزوير الانتخابات في بيرو... أو أي شيء آخر؛ بعيداً عن واقع تدهور حقوق الإنسان في كولومبيا، وحقيقة تراجع نسبة تأييد رئيسها إلى 18% فقط، في استطلاعات مؤسّسة "غالوب".

هكذا، يسير صاحب "حفلة التيس" (ترجمة صالح علماني) إلى نهاية الطريق الذي اختاره منذ زيارته إلى لندن في عهد مارغريت ثاتشر، وتحوُّله بعد ذلك من اليسار إلى اعتناق الأيديولوجيا اليمينية، حتّى أصبح اليوم صوت الفاشية النيوليبرالية في أميركا اللاتينية.

المساهمون