"مخطوفٌ من يد الرَّاحة" لمُبين خشاني: صلاة عراقية للأمل الخفيض

"مخطوفٌ من يد الرَّاحة" لمُبين خشاني: صلاة عراقية للأمل الخفيض

21 يناير 2022
(مبين خشاني)
+ الخط -

في المجموعة الشعرية الأولى للشاعر العراقي مبين خشاني (1998)، "مخطوفٌ من يد الرَّاحة"، الصادرة حديثاً عن "دار الرافدين"، والتي حازت العام الماضي "جائزة الرّافدين للكتاب الأوّل" في نسختها الثانية (حملت اسم الشاعر العراقي فوزي كريم، 1945 - 2019)، ملامحُ تجربة فتية تُشير إلى شاعر لديه ما يقوله عبر تساؤلات عذبة يلقيها على عالم متوحّش.

يُصدّر الشاعر قصيدته "العشرون" بقصيدة قصيرة للشاعر العراقي عبد الأمير جرص (1965 - 2003)، ثمّ يبني على نصّ جرص قصيدته، وهي تَصوّر خشاني الخاص عن الحياة. وفي جملته الشعرية تَضادُّ مَنْ يُقبل على العيش ويُدبر منه، فالصَّباح لديه "بهجةٌ مجروحةٌ"، والفرح "ابن الحزن الضال"، حتّى إنّ النّهر بالنسبة إليه "حزنٌ ذائب".

الصورة
مخطوف من يد الراحة - القسم الثقافي
مخطوف من يد الراحة - القسم الثقافي

منذ القصيدة الأولى في الديوان يجد القارئ شاعراً متردّداً حيال العالم الذي يعيش فيه. فهو لا يَقبَل بهِ طائعاً، ولا يَردّهُ رافضاً، وإنّما يراوح بين القبول والرفض، يتشّهى الحبّ ثمّ يعود مجدّداً إلى برودهِ. وفي هذا الجو من الإرباك يصنع خشاني قصيدةً تقترب من الأشياء من غير أن تَعرِفها فعلاً، إذ يصوّرها لنا من غير أن يُعرِّفها. وكأنّما قصيدة الشاعر مجروحة من ثقلِ ما تحمل من مخاوف. نقرأ في قصيدته "العشرون":

"قلبي واحة
يسبقني نحو الهواء
يعرف أنَّ النَّوافذ نساءٌ عالياتٌ
ينفتحْنَ على الحياة
ويصلِّينَ للأمل الخفيض
وهو يمرُّ كنسيمٍ جارحٍ.
ينقذني من الاختناق، يُقبّل شرفاتهنّ
فأفتح نافذتي
وأغنِّي لها:
يومك بلبلٌ صامتٌ
وأيَّامي خفافيش تغنّي".

يقارب الشاعر الشاب المواضيع الأولى التي قد تشغلُ العاشق. إنّه شاعرٌ عاشق، إذاً، ومن هنا تجيء عذوبة قصائدهِ، ثمّ بعد ذلك من لغتهِ التي تمتلئ بصورٍ تتتالى في المخّيلة، صعوداً، ثمّ يفتّتُ الواقع بناءه مرّةً واحدة؛ فنهايات القصائد، بمعظمها، نهاياتٌ مأساوية. إنّه شاعر حالم، لكن في الوقت عينهِ نجد في القصائد نزعةً إلى بناء جسور مع الواقع. بذلك تبني اللغة صروحها، ومن ثمّ يفكّكها الشاعر من تلقاء ذاته. إنّه يكتب ويمحو آثاره، يكتبُ مجدّداً، ثم يعود ويمحو - وفي ذلك أعجوبته. في قصيدة "نجمة التُّراب" نقرأ:

"ماذا أهبكِ من بعيدٍ؟ 
خاتمكِ جمرةٌ، يداك أبديّةٌ
ولو مسحتُ عنكِ غبار الملائكةِ؛
ستومضُ دهشتي لؤلؤةً،
وتنطفئُ حواسِّي أمام بزوغكِ نجمةً من التُّراب.
بأيِّ يدين سأمسِك ضوءك
وأجعلهُ حقيقةً ملموسةً
مثل فَنائي؟
لا أشكو دورانَ العالم بيننا،
ونأيُنا مثل ليلٍ ونهار.
فقط أريدُ للفجرِ أن تشتبك خيوطُه
ونُجاريه في حيرتهِ 
لنحظى بشفق أطول،
لكنَّ الحياة دسيسةٌ...
ستفتحُ عند الوصولِ طريقاً آخر
يربكُ إدراكي كلّما اقتربت،
فأرى دارَك منحوتةً من يقظةِ الذِّئاب
في شارعٍ يشي باختطافكِ،
وعليكِ عينُ أُبوّةٍ ساهرةٍ
ترقبُ احتمالَ وقوعك في خطأٍ 
يجعلكِ
بعيدةً عن حركةِ يدي".

بالنسبة إلى شاعر عاشق، فإنّ للمرأة حضوراً جوهريّاً في القصائد، إذ تمثّلُ، بصورةٍ ما، فكرتهُ عن الوجود، وبالتالي فكرتهُ عن الشعر. نرى ذلك شديد الوضوح في قصيدتَيْ "سرُّ الحرير" و"يصحو من نومه الغزال". لكنّها، في الوقت نفسهِ، وحتى يكتسب الشعر تأثيرهُ، امرأةٌ مُتَعَذِّرة وغائبة، بينها وبينه مسافة وفراق على نحو دائم. إذ تنطوي قصيدة المرأة لديه على قضية ما، ونرى ذلك واضحاً في قصيدته "موقف السيّدة تسعى". نقرأ في قصيدته "عَود":

"من نبوغِ تواريكِ
أن تتركي آثارًا مُضيئةً
لتتبع غيابكِ الفراشاتُ
فيصير كلُّ ما هجرتِه حدائقَ
هذا سرُّ النُّور في جثماني".

يضيع الفارق لدى خشاني بين ما هو مهمَل وهامشي في الحياة العادية، وبين ما هو مصيريّ وغير مألوف لدى أيِّ فردٍ أو جماعة. ولربّما المأساة العراقية التي تمتدّ منذ الاحتلال الأميركي (2003) تترك لدى الشاب العراقي ما تركتْهُ لدى جيلهِ، من آثار الاستلاب وتهشيم الأحلام الكبرى وانكشاف الخديعة على الشعوبِ المقهورة. يجيدُ خشاني التقاط الإحساس العام بالنهاية عبر إحالات مقتضبة، حيث ينهض من الفراش كأنّما هو "ذاهبٌ للحرب". وعندما يُحيل فعلٌ عاديّ مثل النهوض من الفراش إلى فعل استثنائي ونادر في حياة البشر مثل خوض حرب، يصل القارئ ذلك الشعور بالنهاية الكاسرة لكلّ الآمال.

يسِم نفسه بالوَسم العراقي الخاصّ منذ عملهِ الأول

بالنسبة إلى الشاعر العراقي، حتّى الهواء مُتعَبٌ، ويتنفسه أناسٌ متعبون. كما يُحيل الاتّساع، في قصائد عديدة، إلى مفردات تشي بالضيق. فهو "رهينُ أربعة جدرانٍ تتوسّع"، وفي قصيدة أخرى يتّسعُ الأفق "سِعة النَّدم". نقرأ في قصيدته "بجعة سوداء":

"وقوفي فوقَ نشرةِ الأخبارِ
يمنحُني حكمةَ راعٍ جلسَ فوقَ ربوةٍ
متأمّلاً هلعَ خِرافهِ
من رائحةِ الذئبِ في العشبِ.
بعدها طرقَ بعصاهُ الأرضَ،
وكان نداءً لأسافل الكائناتِ،
وإيذاناً لهُم بمشاهدةِ نُسخةٍ رخيصةٍ
من الجحيمِ".

في كتابهِ الأول يبحثُ خشاني عن دورٍ للشاعر، كي يقوم بهِ. نراهُ حكيماً في قصيدة "وصايا حكيم نيبور" وملاكاً مهمته أن يسدل على العالمِ غطاءَ نومِه في قصيدته "تهجّي". وهو شيطان أخرس في قصيدته "حقيقة في فم الأبكم". لكنّه في معظم الأدوار التي يبحثُ عن موقعهِ فيها، نجدهُ يسأل أكثر ممّا يقدّم أجوبة. كما تتعاقب لديه بصورة محمومة حوادث الموت والولادة، وكلاهما جواب للآخر في قصيدته "إجهاض" التي يبدو أنّها قصيدةُ سيرة. في قصيدة "صلاة بديلة" نجد أوضح تساؤلات الروح البريئة التي جرحتها قسوة الوجود:

"أبانا الذي في السماء
هل تهتمُّ؟
إلى ماذا يشير ضياعك في الضَّباب
ومكوثُك في مكان ذكرى مستحيلةٍ
بينما أُفُق النهار ينزف
وحين يجنُّ الليل ترتدي نفوسُنا خوف الطرائد.

أبانا 
هل أنت الأمل؟
لأنَّنا مطالَبون بكَ دائماً
مثل إمساك حقيقةٍ
تكمن في الذات كجمرةٍ لا نراها
ونستشعر حرقتها فقط".

يقف خشاني - بينما يواصل بحثه عن رسالة الشاعر أو دوره - موقفَ الهشاشة إزاء القسوة: "كنتُ أنحتُ الصَّخرَ بقرنِ غزالٍ"، وتعبّر هذه الصورة عمّا شغل الشاعر العراقي، الذي اختار الحزن من بين صنوف المشاعر كي يكون اسمُه في إحدى القصائد "الحزنُ اسمي الثاني وحصّتي من كنز الشُّعور". رهيفاً وعذباً، يعرف مقدار هشاشته، ويتحرّى عما يستطيع فعله. وفي قصيدة "مأساة العادي"، القصيدة ذاتها التي يسمّي نفسَه فيها الحزن؛ يعتبر أنّه مبذول كي يُمنح كتب التّاريخ حصتها من الوجع. وبذلك لربما يسِم خشاني نفسه بالوَسم العراقي الخاصّ، منذ عملهِ الأول.


* كاتب من سورية

المساهمون