"تاريخ التعب": تحولات مفاجئة من القرون الوسطى إلى اليوم

21 سبتمبر 2020
الصورة
غوستاف كاييبوت/ فرنسا

شهد القرنان العشرون والحادي والعشرون تكوّن مجالات جديدة للتعب، حيث أصبح الإرهاق يمتد من مكان العمل إلى المنزل، من أوقات الفراغ إلى السلوك اليومي. في كتاب "تاريخ التعب: من العصور الوسطى إلى أيامنا"، يرى عالم الاجتماع جورج فيغاريلو، أن اكتساب الفرد في المجتمعات الغربية للاستقلالية، الحقيقية أو المفترضة، واكتشاف "أنا" أكثر انفصالاً، وحلم التحرر والحرية المتزايد باستمرار، جعل من الحياة أصعب، حيث جعل فكرة العيش مع أي شيء قد تولّد قيداً أو عائقاً. 

يكشف الكتاب الصادر مؤخراً عن دار "سوي" الباريسية، عن تاريخ لم يطرقه الدارسون كثيراً، رغم أنه تاريخ غني بالتحولات والمفاجآت من العصور الوسطى حتى يومنا هذا، ويطرح على مدى فصول الكتاب أشكال التعب التي تسود وتتطوّر بمرور الوقت، وأعراض الإرهاق التي تتغير، والكلمات التي تتكيف  للتعبير عن أشكال جديدة من التعب، ويقوم برحلة تتقاطع مع تاريخ الجسد والحساسيات، والبنى الاجتماعية والعمل، والحرب والرياضة، وصولاً إلى العلاقات الجسدية الحميمة.

الصورة
غلاف الكتاب

 
يقول فيغاريلو "لقد أصبح الإرهاق والضعف المنتشر وعدم الرضا المبهم والقصور العنيد إحدى طرق الوجود في عصرنا"، ويبيّن كيف أن العصر الحديث، بتقدمه التقني أنتج بشكل متناقض رجل وامرأة متعبين من تفاهات الأيام، مبرراً ذلك بأن التقدّم توازى مع نمو "الشعور بالذات" والوعي الحي لهشاشة الإنسان.

يلاحظ الكاتب ظهور الكلمات التي تشير إلى الظهور البطيء للإرهاق الذي لا يؤثر فقط على الجسد بل على العقل والروح والنفسية مثلاً اللامبالاة، وهو مصطلح يقابل ما كان يشير إليه رهبان العصور الوسطى من فقدان النار الداخلية في الصلاة، وهو اليوم شكل من أشكال التعب النفسي غير المعلن. كان الإرهاق الوحيد في العصور الوسطى هو إجهاد جسد المقاتل أو المسافر من الجفاف والشعور بالمزاج السيء، من ناحية أخرى، لم يكن الحرث والفلاحة عملاً يسبّب التعب في ذلك الوقت. 

يلفت الكاتب إلى أن ديكارت أول من أشار إلى  إجهاد العقل حين قال إن "المهن المفرطة تضعف الجسم بإرهاق العقل"، وهناك تعبير الإفراط في العمل، وهو من مفردات سباق الخيل (ويعني إجبار الحصان على الجري بسرعة كبيرة جدًا ليقطع مسافة بعيدة)، حيث غزا هذا المصطلح عالم العمل في نهاية القرن التاسع عشر وأصبح ينطبق على البشر. 

يلفت الكاتب إلى أن ديكارت أول من أشار إلى  إجهاد العقل

يشير فيغاريلو كذلك إلى علاقة الإجهاد بآثار التسارع (الآلات الديناميكية الحرارية، والنقل، والحياة الحضرية، وما إلى ذلك)، ويرى أن هذه السرعة تسبّبت في ما أصبح يعرف اليوم بـ "الاحتراق النفسي" (كلمة جديدة أخرى) وهي مفردة عصبية أكثر من جسدية، وكذلك تعبير "وهن عصبي".

يُذكر أن الكاتب المتخصّص في سوسيولوجيا وتاريخ الحساسيات، أصدر العديد من الكتب التي ترصد ما لا ترصده العلوم الاجتماعية عادة، فكتب "تاريخ العواطف"، و"تاريخ الجسد"، و"تحولات الدهون"، و"الصورة الظلية من القرن الثامن عشر حتى يومنا"، و"الشعور بالذات"، و"تاريخ إدراك الجسد من القرن السادس عشر إلى العشرين".