"بيكاسو ورودان" في باريس: اسمان لقلقٍ واحد

"بيكاسو ورودان" في باريس: اسمان لقلقٍ واحد

13 يونيو 2021
منحوتة "القُبلة" لرودان ووراءها لوحة بالعنوان نفسه لبيكاسو، من المعرض (تانيا هاغمايستر)
+ الخط -

عندما وُلِد بيكاسو، عام 1881، في ملقة، بالأندلس جنوب إسبانيا، كان أوغست رودان (1840 ــ 1917) يعيش أمجاده كنحّاتٍ استطاع في السنوات القليلة الماضية اقتراح رؤية جديدة للتعامل مع المادّة النحتية، من حجر وجصّ وبرونز، تتمثّل بتطويعها للتعبير بشكل مكثّف عن العواطف والجنسانية من ناحية، وبإدخالها في علاقاتٍ جديدة بالضوء، الذي لم تكن المنحوتات ما قبل الحداثية تأخذه بعين الاعتبار بما يكفي، كما كان عليه الحال في الرسم.

هكذا، قبل عامٍ من مولد بيكاسو (1881 ــ 1973)، انتهى النحّات الفرنسي من عمل سيصبح الأشهر ربما من بين اشتغالاته كلّها: "المفكّر" (1980)، الذي سيعود إليه أكثر من مرّة، في تجربته الفنية، ليُنتج منه تنويعاتٍ بموادّ غير البرونز الذي نحته فيه للمرة الأولى، وهي تنويعاتٌ سيعرضها في الولايات المتّحدة وبلجيكا وأكثر من مكان خارج فرنسا، مع إبقائه على النسخة الأصلية من المنحوتة قريبةً منه، حتى أنها باتت اليوم المنحوتة الوحيدة الموضوعة أمام مدخل ضريح رودان في مودون، قرب باريس.

يتّفق كثيرٌ من مؤرّخي الفنّ والمختصّين بتجربتَي الفنّانين، المِفْصليّيَن في تاريخ التشكيل والنحت الغربيين، على فرضية تقول إن بيكاسو زار بلا شك ــ عند وصوله إلى فرنسا في التاسعة عشرة من عمره ــ المعرض الاستعادي الذي أُقيم لرودان، عام 1900، على هامش "المعرض الكوني" الذي عرفته باريس حينها. وهي فرضيّة أولى من شأنها أن تخلص إلى القول بتأثّر التشكيلي الإسباني بالنحّات الفرنسي.

يبدو معرض "بيكاسو ــ رودان" المزدوج، المُقام حتى الثاني من يناير/ كانون الثاني 2022 في "متحف بيكاسو" و"متحف رودان" في باريس، وكأنّه يأتي ليضيف شيئاً من التأكيد على هذه الفرضية وهذا القول، عبر اقتراحه مقاربةً متوازية بين أعمال الفنانين، حيث يمكن للزوّار اكتشاف التقاربات، الكبيرة أحياناً، ومعها الاختلافات، بين منحوتات هذا ولوحات ذاك.

يجد زوّار المعرض أنفسهم أمام توزيع للمعروضات لا يترك أيّ مجالٍ للشكّ في تأثّر بيكاسو برودان، رغم استمرار الفنان الإسباني في التقليل من شأن هذا التأثّر طيلة حياته، ولا سيّما بعدما ربط عددٌ من النقاد أعماله التي أنجزها في المرحلة المعروفة بـ"المرحلة الزرقاء" باشتغالات تحمل القلق والشكّ ذاتهما اللذين بديا في أعمال رودان المبكّرة. وهو ربطٌ يُسهِّله اشتغال بيكاسو، مطلع حياته، في النحت، واضعاً أعمالاً تبدو بصمةُ "الرودانية" فيها جليّةً.

ويدخل الزوّار أقساماً، في هذا المُتحف أو ذاك، وُضعت فيها منحوتاتٌ لرودان ووراءها أو أمامها اللوحات التي يبدو بيكاسو وكأنه استلهمها من اشتغالات النحّات، كما هو الحال مع لوحة "القُبلة" (1969)، التي تمثّل استعادةً تكعيبية صريحة لمنحوتة "القُبلة" التي أنجزها رودان عام 1885 تقريباً.

كما يبدو هذا التأثّر جليَّاً، وفي الغالب واعياً أو مقصوداً، في لوحة "المستحمّة كبيرة القوام تحمل كتاباً" (1937)، والتي يميل تكوينها إلى تكوينٍ قريب من منحوتة "المفكّر"، حيث الجذع والرأس المحنيّان نحو الجسد، واليد التي تستقبل ذلك الرأس المستريح عليها، وإن كان المشهد يبدو أقلّ رومانسيةً وتعبيرية لدى بيكاسو مما هو عند رودان.

في أغلب هذه الأعمال المتقاطِعة، تتّخذ البصمة المشتركة بين الفنانين من الفضاء الحِسّي والجنسي مسرحاً لها، حيث يبدو الرسام الإسباني منتبهاً تماماً إلى الإضافة التي جاء بها رودان على مستوى حركة الجسد وسِعَتها، بل وحتّى في تخيّل العلاقة بين العضلات والمفاصل في الأشكال البشرية والحيوانية. ويُمكن النظر إلى المقارنة التي يعقدها المعرضان بين لوحة "السابِحة" أو "السبّاحة" (1929) لبيكاسو، ومنحوتة "دراسة من أجل إيريس" لرودان، للوقوف عليها. 

كما يشترك الفنانان أيضاً في كثير من التفاصيل الأخرى التي باتت علامات فنّية مسجّلة باسميهما، مثل تمزيق أو تخريب القالب المألوف للأشكال، كما هو جليّ لدى بيكاسو في أعماله التكعيبية، وكما هو جليّ في المنحوتات ذات الأطراف والأعضاء الممدودة أو المعكوفة لدى رودان.

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون