هل ستنجح حملة الـ"16 يوماً" في مناهضة العنف؟

29 نوفمبر 2020
+ الخط -

يبدو أن وباء العنف المجتمعي لهذا العام لم يقل فتكا من وباء فيروس كورونا، لما يحدثان كلاهما من أضرار جسيمة في مجتمعنا. وبما أن حملة الـ16 يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة التي تنظمها اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني والإعلام، ويتزامن توقيتها مع كتابة هذا المقال.

فقد قررت ألا أشارك ولأول مرة في هذه الحملة لهذا العام تحديدا، ولن أشارك بحملات وسائل التواصل الاجتماعي التي ننشط فيها في هذه الحملة السنوية للتوعية بالعنف المتمثل بالنوع الاجتماعي، لأن عام 2020 قد عرّى لنا جميع أنواع العنف المجتمعي، من فقأ العيون إلى قطع الأيدي، إلى المشاجرات اليومية والاشتباكات التي تودي ببعض الأرواح في معظم الأحيان.

ولهذا نحتاج لوقفة مع النفس أولا ووقفة مجتمعية لتقييم ما خلصت إليه هذه الحملات التوعوية في السنوات السابقة، ولنبدأ بعدها بتعديل جذري في نظرتنا للعنف، ومن ثم سنّ تشريعات عادلة فيها تطبيق لمبدأ المساواة، حيث بات من الواضح أن فارقًا شاسعًا لا يزال يفصل بين الجهاز القانوني والثقافة المجتمعية.

وعندما تأثرت العائلات اقتصاديا جراء الجائحة في هذا العام، صب الرجال جام غضبهم وإحباطهم على النّساء والأطفال، وتزايدت أرقام العنف الأسري بطريقة مقلقة نبهت لها مرارا المنظمات والناشطون في مجال الجندر والتوعية للعنف القائم على أساس جندري. ولكن ما يزال العنف ضدّ النساء قائمًا ومستمرًا وفي جميع أنحاء العالم، لعدم وجود عقاب رادع لمن يمارسونه.

تغيير النهج والاستراتيجيات التي اتبعت على مدار الأعوام الماضية، هو ما نحتاجه حاليا، بالإضافة لخطة تشاركية يساهم فيها جميع شرائح المجتمع

إذا علينا أن نواجه الفكرة الخاطئة بأن العنف ضد النساء والفتيات هو أمر خاص، وشأن عائلي داخلي. فالمنزل والعائلة وثقافة الفرد وتقاليده الخاصة لم تَعُد هي الحَكَم النهائي للفعل المنصف، حيثما كان الموضوع هو العنف تجاه النساء والفتيات.

ولكن المقلق في الأمر أن العنف انتشر في كافة الفئات، وأصبح عنفا مجتمعيا. ولهذا فإذا كانت العائلة هي البيئة التي ينشأ فيها الأطفال ويشكلون وجهات نظرهم بخصوص أنفسهم والعالم والهدف من حياتهم، فلنتخيل إذا كيف سيتحمل المجتمع بنفس تلك الدرجة عبء نتائج الإهمال والإساءة. وفي مجتمع يسوده العنف اللفظي والتحرش الجسدي، كيف ممكن للعائلة والتي هي أصلا متوترة بدرجة لا تُحتمل تحت ضغط اضطرابات نفسية واقتصادية وصحية جراء الجائحة بحسب دراسة نشرتها (الغد) الأردنية.

والسؤال الأهم هو كيف يمكن تأهيل الرجال ليكونوا آباء يدركون مسؤولياتهم العائلية وأن يقدموا احتراما متساويا لأبنائهم سواء من الذكور أو الإناث. وهذا لا يستثني بالتأكيد دور الأم التي هي المربية الأولى لأطفالها، حيث تغرس فيهم القيم الاألاقية والروحانية والاحترام والمواطنة الصالحة، وهي أمور أساسية لقدرتها على تربيتهم بطريقة فعّالة لتنمية وتعزيز الاحترام لجميع الناس، حتى يتمّ الحفاظ على عزّة الإنسان وكرامته وخلق فكر أخلاقي يعمّ الكرة الأرضية ويدعم ويحافظ على كافة الحقوق الإنسانيّة. ولا شيء غير غرس هذه القيم يمكن أن يُحدث تحوّلًا لدى الأفراد والمؤسّسات، بشكل يؤمّن احترام حقوق الإنسان لجميع البشر.

عودة للحملة، فقد أكدت الأمينة العامة للجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة الدكتورة سلمى النمس أن اختيار موضوع الحملة لهذا العام (نحن معكم ضد العنف)  بسبب الارتفاع الكبير لحالات العنف الأسري، وخصوصا خلال فترة الحظر، حيث زادت أعداد حالات العنف الأسري خلال 3 أشهر في هذا العام بنسبة 33% مقارنة بالعام الماضي، وشددت على الاحتياج لوقفة جادة من منظومة الحماية في الأردن، سواءً من خلال إعادة التعريف بالخدمات أو تجويدها أو مراجعة التشريعات التي من شأنها ردع المعتدين وتشديد العقوبات، خصوصاً في حالات العنف داخل الأسرة، لأنها تؤثر بشكل سلبي على الأسرة وتقف عائقا في تحقيق التنمية المستدامة.

إذا، تغيير النهج والاستراتيجيات التي اتبعت على مدار الأعوام الماضية هو ما نحتاجه حاليا، بالإضافة لخطة تشاركية تساهم فيها جميع شرائح المجتمع في القضاء على العنف، على اختلافهم:  معلمون، ناشطون، سياسيون، قادة أديان، وإعلاميون وحتى المؤثرون على مواقع التواصل، ليشاركوا جميعًا في مسؤولية التوعية بالعنف وآثاره المجتمعية، خاصة أن شبكة الحماية والأمان في حياة المجتمع أصبحت مهترئة بشكل يحتاج لإصلاح جذري.