من يخطف عيدنا الذي نحبه؟

من يخطف عيدنا الذي نحبه؟

21 ابريل 2023
+ الخط -

مع أول أيام عيد الفطر المبارك، نترقب، وبشغفٍ شديد، انبعاث نفحات البهجة والسرور واستقرار الابتسامة على الوجوه، ونسج علاقات الودّ والتعايش الآمن بين الناس في منطقة عربية منهكة بالخيبات والأزمات وفشل التدبير القائم. 

تتمثل الأعياد كنقاط ارتكاز في إحياء المشاعر ومخاطبة الوجدان ودبّ الحركية في التعبير عن الودّ والوئام وإدخال الفرحة على قلوب الناس. نتحدث عن أعياد بحمولة روحانية قوية وطقوس متوارثة أنتجها غنى العمق الاجتماعي، وألبسها رونق البساطة والتلقائية وحرارة الدفء العائلي ونشاط الوشائج الاجتماعية وحركية القيم الإنسانية النبيلة؛ هي مناسبات سنوية مرحب بها في بيوت الله وبيوت البشر وفي أعماق الصدور، عند الصغير والكبير على حدّ سواء، تتجاوز منطق الحدود القطرية، ولا تعترف إلا بوحدة القيم الإنسانية وحق الاختلاف وقانون التنوّع والتعدّد وواجب احترام معتقدات الآخر. بكلّ تأكيد، نحتاج لنفحات هذه المناسبات الروحانية من أجل ضبط النفس وشحن المعنويات وشدّ العزائم وتثبيت البصيرة؛ نحتاجها من أجل استدامة الأمل، وتجديد الطاقات والترّفع عن ضنك العيش وقتامة الواقع البئيس والاستمرار في رفع التحديات والبحث عن نسج الطموحات والأهداف. لكن، ومع الأسف، حتى الأعياد لم تسلم من عمليات الاختطاف والتشويه والتحريف والتدجين، مثل ما سُلب من أصحابها حقّ بناء تصورّات الاستقبال والإحياء والاحتفال في ظلّ تكالب واجتماع مصالح تخترق الإنسان في أدق تفاصيل حياته، وتحرمه حتى من حق الخلوة والتدبر والتأمل.

نميل إلى الاعتقاد أنّ أوّل من ينغص فرحة قدوم العيد وبدون منازع هو أداء الحوكمة القائمة، التي لا تتقن إلا هندسة الأزمات وتوريد الخيبات والتنكيل بكرامة المواطن وملاحقته أينما حلّ وارتحل بتجليات فشلها، وكأنما تأسّست، فقط، للإجهاز على نفسيته والنيل من بصيص أمل قد اصطنعه لنفسه، كيف لا وممارسات الإجهاز على حالته النفسية والذهنية صارت من أبجديات استمرار النظام القائم الذي تفنّن في بناء بيئة مسمومة، لا تبقي ولا تذر، وتهلك الحرث والنسل، وهمها الوحيد هو الاستماتة في الهدم والإخضاع والطمس. لذلك من الصعب أن تستشعر الناس فرحة العيد في خضّم ما يحيط بها من مآسٍ وهموم وكدر وانسداد الأفق.

من الصعب أن تستشعر الناس فرحة العيد في خضّم ما يحيط بها من مآسي وهموم وكدر وانسداد الأفق

إلى هول فشل الحوكمة القائمة، ينضاف طوفان زحف الرأسمالية المتوحشة، والذي بدوره يستأثر بالوزر الأكبر من عملية الاختطاف والتشويه نظرا للعمق الذي بلغه في اختراق الخصوصية الشخصية ونمط العيش الجماعي للناس. في الواقع، لا تكتفي الرأسمالية المتوحشة بغزو الأسواق وتصريف السلع والخدمات والتشجيع على الاستهلاك، بل وصلت إلى حدّ الشجيع على سلب الناس حرية تحديد الحاجيات وتعريف الرغبات، وأصبحت تقوم بوضع تصوّرات الإشباع وأنساق الإقبال من خلال مخاطبة النزوات والغرائز البدائية وإملاء ما يستوجب الإقبال عليه دون ترك أيّ مجال للإنسان من أجل التفكير أو الاختيار، إذ لا يعدو كونه كائناً اقتصادياً مقيّداً بتعريف اقتصادي نفعي صرف يجرّده من إنسانيته وقيمه. لا مناص من التذكير بأنّ الإقبال على الاستهلاك يحيل على التوق إلى إشباع الحاجيات الغرائزية المادية ويفقد العيد طابعه الروحاني، ويحوّله إلى مجرّد طقوس مادية حركية أصبحت بقدرة قادر تجسّد الغاية عوض الوسيلة في خلق البهجة والاحتفالية.

تحوي المنطقة العربية كنوزاً من الذخائر البشرية القادرة على رفع تحديات المستقبل وترويض العوائق وتدبير الأزمات دون حاجة إلى الوصاية أو الدروس. لطالما احتفت بأعيادها وأسّست لخصوصية طقوسها وأرسلت أجمل الرسائل لشعوب العالم رغم كثرة جيوب الاختراق وأساليب التطويق وتعاقب الدسائس ووسوسة شياطين الداخل قبل الخارج. العيد عيدنا نتقاسمه مع من يحبنا ويحترمنا ويشاركنا جميل القيم الإنسانية.

عيدكم مبارك سعيد وكلّ عام وأنتم بألف خير.

عزيز أشيبان
عزيز أشيبان
عزيز أشيبان
كاتب مغربي، يعرّف عن نفسه بالقول "نوعية اهتماماتك ومخاوفك تحدّد هويتك".
عزيز أشيبان

مدونات أخرى