مقارنة أوليّة سريعة بين معجم الدّوحة التاريخيّ للغة العربيّة ومعجم الشارقة

09 نوفمبر 2020
+ الخط -

اطلعت اليوم على المعجم التاريخيّ للغة العربيّة الصادر عن الشارقة، وأودّ أن أسجّل ملاحظات المقارنة بينه وبين معجم الدّوحة التاريخيّ للغة العربيّة الذي عملت في مرحلته الأولى كاملة، وجزء من مرحلته الثانية.

فمن حيث مواد اللغة العربيّة؛ فإن معجم الدّوحة شمل الحروف كلها من الألف إلى الياء، بينما اقتصر معجم الشارقة على ثلاثة أحرف هي: (الهمزة، والباء، وبعض التاء). وقد صدر معجم الشارقة ورقيًّا في ثمانية أجزاء، بينما معجم الدّوحة هو منصة إلكترونية متاحة للجميع، والتناول الإلكترونيّ في هذا العصر أسهل من الورقيّ وأنفع وأسرع في البحث.

ومن حيث الشمول التاريخيّ؛ فإن المنجز من معجم الدّوحة إلى سنة 200هـ/816م لحروف اللغة العربيّة جميعها وموادها، في حين أن معجم الشارقة إلى سنة 1442هـ/2020م للأحرف الثلاثة وموادها.

ثم إن توسيم معجم الدّوحة أوسع من معجم الشارقة، فالشارقة اقتصرت على الاسم والفعل لتوسيم الألفاظ، بينما الدّوحة توسعت إلى نحو ثلاثين وسمًا صرفيًّا لبناء الألفاظ، وهذا يؤثر في الدلالة كما لا يخفى على المتخصصين.

معجم الشارقة هو فرش جديد للمعجم الكبير الذي صدر في القاهرة، أو إعادة تدوير معلوماتيّ بإخراج حديث مع جهد ملموس وواضح في الترتيب والتلوين والتنسيق

ومن خلال استعراض الشواهد بصورة سريعة، نجد النص القرآني مصنّفًا في معجم الشارقة بسنة 11هـ، وهي سنة وفاة النبي محمد ﷺ، بينما في معجم الدّوحة نجد الاعتناء بتاريخية النص القرآني على مستوى المكيّ والمدنيّ، وعلى مستوى التحديد بالسنة قبل الهجرة أو بعدها، ولكل ترتيب تاريخيّ، وأثر دلاليّ في زمن نزول القرآن الكريم.

وأشار معجم الشارقة إلى مفرد الكلمات وجموعها بإشارات عند رأس التعريف من دون ذكر نصوصها، وهذا متوافر في معجم الدّوحة بالضغط على زر الجموع ينفتح لنا النص بتاريخه، وإن كان ذلك النص لم يؤثر في التطور الدلاليّ للمعنى.

كما يلاحظ في منصة معجم الدّوحة أن مدونته متاحة؛ فالنصوص الأخرى التي لم تدخل المعجم تجدها في المدوّنة، وذلك للتأكد من مصداقية قِدَم الشاهد المختار في المداخل المعجمية للمعجم، في حين أن ذلك غير متاح للقارئ في معجم الشارقة، فيتلقى المتلقي النص دون تحقيق ولا تدقيق ولا تأكد اعتمادًا على المعالجين اللغويين والمحررين، وهذا ليس انتقاصًا منهم؛ ولكن قارئ اليوم يحتاج؛ بل ويطلب شفافية أكثر في القرارات العلمية التي تصدر من أي جهة لغويّة.

ومن خلال نظرة سريعة على قِدَم الشواهد أجدها في معجم الدّوحة أسبق من معجم الشارقة، وهذا يرجع إلى مدوّنة كل معجم، ولعلي أستشف أن مدوّنة معجم الشارقة هي المعاجم، وهذا دليل على السرعة في إنجاز المعجم بهذا الوقت القياسيّ، وإن كان يتناول ثلاثة أحرف فقط، وبدليل أن توثيق بعض الشواهد الشعريّة كان بالإحالة على المعاجم (لسان العرب ونحوه)، وهنا فرق آخر يحسب لمعجم الدّوحة وهو توثيقه من أقدم كتاب ورد فيه النص، فالشعر يوثّق من ديوان صاحبه أو قبيلته على أقل تقدير، لا من المعاجم والكتب اللغويّة الأخرى.

وهذا ما يجعلني أقول إن معجم الشارقة هو فرش جديد للمعجم الكبير الذي صدر في القاهرة، أو إعادة تدوير معلوماتيّ بإخراج حديث مع جهد ملموس وواضح في الترتيب والتلوين والتنسيق، هذا إن لم يقل معجم الدّوحة إن أصول المعجم الجديد اقتباسات منه؛ لأنه صدر بعده، ومتاح للشارقيين ولغيرهم.

شهادتي في معجم الدّوحة مجروحة، ولكني بكل أمانة وتجرّد أجده أوثق وأدق، ولا يعني أنه جاء خاليًا من الأخطاء والملاحظات؛ فإنني دومًا أزوّد المعجم بملاحظاتي واستدراكاتي، وهذا -أيضًا- يفعله غيري من الخبراء اللغويين، وإدارة المعجم تتقبله بكل رحابة صدر، وتشكر عليه.

وقد قرأنا على غلاف معجم الشارقة بأنه نسخة تجريبيّة، وهذا ما ندعوهم إليه لإعادة النظر والطبعة معًا، وعدم الاستعجال، لأنها أحكام لغويّة ومحاكمة لغويّة للنصوص العربيّة، وأدعوهم أيضًا إلى منصة إلكترونيّة حفاظًا على البيئة والبيئة اللغويّة؛ لكي يبدأ الباحثون بالمقارنة بين المعجمين والإفادة منهما، ولعل أحد المعجمين يقف على نص أقدم من الآخر، ويسجل سبقه التاريخيّ على صاحبه، وهذا من التنافس الشريف الذي يخدم العرب والعربية.

ختامًا أنا لست ضد معجم تاريخيّ جديد، ويا ليت كل المدن والدول تخدم اللغة العربيّة بمعاجم تاريخيّة ومشاريع لغويّة أخرى، ولكن ليس على حساب اللغة، والتلاعب بنصوصها إن لم نقل المتاجرة بها، وهنيئًا للعربية بمعجميها التاريخيين (غير المكتمليْنِ بعد).