في الصين... كرة القدم عربية أيضاً

في الصين... كرة القدم عربية أيضاً

25 نوفمبر 2022
+ الخط -

مثل كائنات برمائية تخلع أرجلها وتدخل في الماء، يخلع العرب (على قلّتهم) نعالهم ويدخلون في هويتهم إلى مجلس عربي في كافتيريا حبيبي هنا في مدينة تشنغدو في الصين.

في شارع فرعي يتسع لسيارة واحدة رغم أنه باتجاهين، وفي منطقة مكتظة بالناس والمطاعم (بالمعنى الصيني للاكتظاظ)، يتوسط "المحمودي"، وهو يمني من مدينة أب، مطبخه ليُعدّ أطباقًا عربية لجالية قليلة العدد، كثيرة التردّد على المكان.

تُعدّ كافتيريا حبيبي مركز تجمع للعرب في المدينة، يزورها الجميع، يتناولون طعامهم، ويتكلمون بعربية يشتاقون إليها، ويطمئنون على بعضهم البعض كعائلة تشكّل العروبة حبل الترابط المتين بين أفرادها، رغم غياب روابط أخرى مثل العرق أو اللون.

قبل أيام تجمّعنا لنشاهد مباراة المنتخب السعودي ضد نظيره الأرجنتيني في كأس العالم المقامة حالياً في قطر، التلفاز يعتلي مكيّفًا للهواء، ومتصلًا بحاسوب شخصي يسمح بنقل المباراة من خلاله. اتكأ البعض في مجلس أرضي وجلس آخرون إلى الطاولات، بينما فضّل الكثيرون الوقوف على أرجلهم طيلة المباراة. يمنيون، مغاربة، ومصريون وأنا، كنّا بصوت واحد نتفاعل مع الأداء البطولي الذي قدّمه المنتخب السعودي، كان هذا بعد جولة من التشاؤم والتهكّم قبل بدء المباراة، مثل كلّ الذين يضعون الفريقين في مقارنة منطقية فترجح بلا شك كفّة اللاعب الأرجنتيني، ليونيل ميسي، ورفاقه على كفّة فريق عربي نحبه، ولكن لم يسبق له أن صنع تاريخًا رياضيًا نتذكّره.

يمنيون، مغاربة، ومصريون... كنّا بصوت واحد نتفاعل مع الأداء البطولي الذي قدمه المنتخب السعودي، كان هذا بعد جولة من التشاؤم والتهكّم قبل بدء المباراة

في لحظة تتوّسط شوط المباراة الثاني، توقفتُ عن مشاهدة المباراة ورحتُ أقرأ بعيني الحاضرين، منهم من كان يدعو، وآخرون تركوا الشاورما تبرد أمامهم، يمنيّ من تعز يفرك راحتيه بتوتر ملحوظ، وجزائري يصوّر اللحظة بهاتفه المحمول، و"المحمودي" يروح ويجيء من وإلى المطبخ مثل كرة تنس حائرة فوق أرضية المكان، وصينيون يمرّون، يحدجوننا بنظرات استغراب ويكملون سيرهم إلى حيث الوصول.

قلتُ في نفسي، لا يمكن أن تكون كلّ هذه المشاعر نتاج تربية أو هوية مكتسبة، كما أنني متأكد أنّ أثر الجين (رغم وجوده) ضعيف. ثمّة رابط أعمق من هذا، ثمّة تاريخ تشتاق إليه الجماهير، وثمّة ما نفتقده كلنا كأصحاب هوية مشتركة، ومن المنطقي أن يكون الرابط بيننا غير مرئي، إذا ما اتفقنا أنّ الرابط هو الروح.

فكرتُ بهذا، وأدمعت عيناي بينما أنتظر صافرة الحكم تُعلن نهاية المباراة. ربما يكون الأمر بسيطًا، لا يتعدى فوزًا عربيًا في كرة القدم قد يلحقه خسارات، ولكنه فوز ندٍّ افتقدناه، لا فوز حظّ أو تعثّر للخصم، لا ولم يكن فوز خائف ينتظر صفارة الحكم لتُنقذه من قدر محتوم، كان تمظهرًا عميقًا لغلبة نحتاجها، وسيكون له أثره التراكمي (إن استمر) على الجميع.

عبد الله زيود
عبد الله الزيود
كاتب فلسطينيّ أردني، يعمل أخصّائيًا تربويًا في مجالي الإثراء والدمج ومنسقًا لخدمات الدعم في المدارس العالمية، حاصلٌ على عدّة جوائز أدبية منها، جائزة مؤسسة محمود درويش عام 2015. صدر له رواية تحت عنوان "يلتهم نفسه بادئًا بقدميه"، ورواية لليافعين تحت عنوان "العودة إلى ما بعد الكوكب الأحمر"، ومجموعة قصصية بعنوان "باولا". يقول "هذا كل ما لديّ: الكتابة. لستُ أعرف طريقةً أسمى للعيش، ولا مهرب من كلّ حزن الكون... سواها".