غاز وأكفان

غاز وأكفان

03 نوفمبر 2023
+ الخط -

مفردتان ترددتا في خبرين من أخبار غزة في الأيام الماضية، كان لهما، كل على حدة، تأثير الحيرة وألم الطعنة في القلب: غاز وأكفان.

يقول الخبر الأول: إنّ إسرائيل اعتزمت استخدام غاز قاتل لا رائحة له ولا لون، يتسلل عبر مسامات الجلد وليس الشم، لضخه في أنفاق غزة التي يستخدمها مقاتلو حماس، من أجل تسهيل عمليتها البرية. غاز ممنوع دولياً مع أنها؛ أي إسرائيل، قد سبق لها استخدامه، كما فهمت من بيانات المقاومة، من دون أي وازع أو رادع.

ولمفردة "غاز" تداعيات في الذاكرة العالمية، مقرونة بالذكرى الرهيبة لغرف الإعدام بالغاز التي استخدمتها ألمانيا النازية في المحرقة. لكن إسرائيل، وعكس ما يتبادر إلى الذهن، أثبتت أن أهم شيء بالنسبة لها في هذه المحرقة، التي يندى لها جبين الإنسانية، استخدامها أداةَ ابتزاز لعقدة الذنب الأوروبية، بما يتيح لها السيطرة على الرأي العام والاستفادة الدائمة من التعويضات المادية والدعم السياسي غير المشروط لكيان الاحتلال مهما فعل.

غاز إذاً؟ جميل. ها هم أحفاد وأبناء الناجين من غرف الغاز يستخدمونه في حرب إبادة ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض، الذين لا يتعبون من تقديم كل ما لديهم في معركة وجودهم، لا بل يبدعون في ذلك. فالحاجة أمّ الاختراع خصوصاً وسط هذا التخلي العالمي عن فلسطين المنكوبة بعالمها العربي المتهاوي والمصادرة إرادته.

ها هم أحفاد وأبناء الناجين من غرف الغاز يستخدمونه في حرب إبادة ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض، الذين لا يتعبون من تقديم كل ما لديهم في معركة وجودهم

توهمنا إسرائيل، المريضة النفسية المتفاقم مرضها بنرجسية مجروحة مبطنة بجنون عظمة، أنّ ما ترتكبه هو للانتقام من فدائيي غزّة الذين آلموها في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بهجومهم الصاعق. تبدو إسرائيل، أو تريد لنفسها أن تبدو في وعينا، مخيفة، وحشاً عملاقاً غاضباً، يدمّر كل ما حوله إن مسسته، وهو متوحش لدرجة أنه غير مبالٍ بأبسط الاعتبارات الأخلاقية كحماية المدنيين. هذا هو الردع الذي تبحث إسرائيل عنه. في الحقيقة تستخدم إسرائيل هذه الحرب السافلة كفرصة لإبادة أكبر عدد من الفلسطينيين.

ضحايا من الأطفال؟ فلسطينيون بالناقص. نساء بريئات؟ ولادات بالناقص. مستشفيات؟ فلنجهز على الجرحى والمرضى. تكاد تبصر حاسبة شريرة لا ترى الناس إلا أرقاماً فلسطينية مشطوبة في ديمغرافيا متفوقة يهودياً.

"لا أبرياء في غزة إلا الرهائن الـ264"، تقول تلك السيدة الكريهة واسمها سارة الباز، في فيديو بثته قناة الجزيرة على "إنستغرام"، وتضيف: "ما أن نستعيدهم (تقصد الأسرى) سنقصف مستشفى الشفاء وكل المستشفيات ونقتلهم جميعاً".

جريمة إبادة معلنة بعزم وتصميم.

لكن، وبعد الغثيان الذي يثيره كلام كهذا، تسأل نفسك بصدق: ما سرّ هذا التماهي الإسرائيلي مع أساليب التطهير العرقي التي استخدمها هتلر، جلاد اليهود في أوروبا، لإبادتهم. ماذا يقول هذا التمثل بالجلاد فعلياً؟ أحتار. هل الأمر ينتمي إلى منطقة اللاوعي؟ هل يحاول هذا اللاوعي الإسرائيلي، وبمفعول رجعي، ترميم صورة الذات المذلولة والمضطهدة بإثبات القدرة على تقليد الجلاد؟ لست عالمة نفس، ولا أريد التورط بتخمينات أو المغامرة بـ"تحليلات" سطحية ومتعجلة تحاول تفسير ذلك. أريد أن أفهم، أن أستوعب.

لكني لا أفهم ولا أستوعب.

في أساليب الفعل ورد الفعل، تحضر أسطورة توراتية مستخدمة دوماً إسرائيلياً: داود أو ديفيد وغوليات. تريد إسرائيل أن تكون داود في الرواية، وهكذا تقدم نفسها للعالم. لكن ما تفعله اليوم وأسلوب رد المقاومة ووسائله، تقلب الصورة: فما أشد الشبه بين داود ومقلاعه الذي فقأ عيني غوليات متسبباً بهزيمته، وبين الأسلحة المصنعة محلياً التي تمكنت بواسطتها غزة المحاصرة بأفظع وأطول حصار لمدينة في التاريخ الحديث من تسجيل نصر، ولو بثمن ضخم، على غوليات إسرائيل المدججة بالسلاح والمظللة بقبة حديدية، وتواطؤ الدول التي باتت تدار كالشركات: تحسب أرباحها وتحدد قراراتها بمنطق الربح المادي في إهمال تام لأي أخلاقيات أو اعتبار للقيم الإنسانية وللقوانين الدولية.

أرادت إسرائيل دائماً أن نساوي بينها وبين داود الأسطورة. لكن في الحقيقة، ليس لداود وغوليات هوية ثابتة. فالأسطورة تختزل عادة قيمة إنسانية شاملة، وخلاصة درسها أن المظلوم يستطيع أن يهزم القوة، إن كان مؤمناً بقضيته مثابراً مبدعاً وصابراً. كما في فلسطين، فيتنام أو الجزائر. هذه الأخيرة استغرقها التخلص من مستعمرها الفرنسي مائة وثلاثين عاماً، وكان اقتلاعها، كما أفضى لي أحد الأصدقاء الجزائريين، أشبه باقتلاع المرء بنفسه لذراعه من الكتف.

أما المفردة الثانية التي أشرت إليها فهي: الأكفان.

يقول الخبر، إنّ "مساعدات" إنسانية قد سمحت إسرائيل بإدخالها إلى غزة المنكوبة عبر معبر رفح المصري كانت تحتوي، على ما ورد في النص، "أغذية معلبة وبطانيات و.. أكفان"!

يا إلهي! تطعنني المفردة في قلبي. تدمع عيناي ويتردد في رأسي سؤال وحيد غاضب: كيف استطعتم؟

من هو هذا البليد الفاقد للإحساس (أو ربما في سيناريو أسوأ، الخبيث؟) الذي، وبدلاً من إرسال مساعدات تعين الناس على الصمود أحياء، بدلاً من الوقود والأدوية والمعدات الطبية الفعالة لإحياء المصابين ونجدة المحاصرين، يرسل لهم.. أكفاناً.

قد يقول قائل إنّ هذه الحركة، برغم لامبالاتها الإنسانية، بريئة، مصدرها "تعاطف" ديني على أساس ضرورة الكفن للميت. لكن أولاً: إن أي مطلع على بديهيات الدين يعلم أن الشهيد ليس بحاجة إلى كفن، فهو ممكن ألا يغسل حتى، لأن دماء الشهيد طهرته، بل يدفن في أرض استشهاده بما هو عليه من لباس لحظة الاستشهاد. وحتى إنه لا يصلّى عليه كما فعل النبي في موقعة أحد، كما أفادني أحد الأصدقاء المطلعين في الدّين.

لكن وبكل الأحوال، هل يعقل ألا تستغل فرصة نادرة كالسماح بإرسال المساعدات إلى أهلنا في غزة، المحرومين من الوسائل الطبية، المقصوفة مستشفياتهم والمدمرة سيارات إسعافهم، المحتاجين لكل نقطة وقود وماء ودواء، والاستعاضة عما يحتاجه الأحياء منهم ليصمدوا، بما لا يحتاجه الأموات منهم، المدفون أكثرهم تحت الأنقاض، أو في مقابر جماعية أو المبددين أشلاء غير معروفة الاسم ولا الهوية؟

يا للقسوة. ربما كان هذا ما يطلق عليه تعبير "دموع التماسيح". وهي تتساقط بغزارة هذه الأيام.

ضحى شمس
ضحى شمس
كاتبة وصحافية لبنانية.