بيت قصيد نهاية الشعر

بيت قصيد نهاية الشعر

09 فبراير 2024
+ الخط -

لا أعرف من الذي قال بعد معرفته بتفاصيل الإبادة النازية ليهود أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، إنّ الشعر انتهى. لا شك في أنّي قرأت هذه العبارة المليئة بالأسى في إحدى المنشورات التي لا تُحصى، والتي تداولناها منذ بدايةِ حربِ الإبادة على غزّة، إلى درجة أنّي لم أعد أذكر من قال ماذا؟ 

لكن العبارة ليست بسيطة لننساها. موت الشعر يعني بشكلٍ ما نهاية التحضّر البشري. فالشعر هو التجلّي الأوضح لسمو النفس الإنسانية. سمو يجعلها على تماسٍّ مع روح الكون الذي ولدنا منه وفيه ونعود إليه في دورة لانهائية. ينتهي الشعر حين تنتهي الإنسانية، فنكون حيوانات همجية يقتل بعضُنا بعضًا لكيلا نُقتل، ولمجرّد الشعور بنشوة القوة.

في حدث كالإبادة الجارية في غزّة منذ أربعة أشهر بالتمام، سيموت الشعر بالطبع، فقبله ماتت المفردات. وبموت المفردات وعجزها عن تبليغ معناها، ماتت اللغة. 

انتهى الكلام بانتهاء قدرته على التعبير. وأخبار المجازر بالجملة لم تعد تستدر أيّ تأثّر إضافي. بلغ التخيّل ما أمكنه من مدى. وتحوّل الشهداء إلى كتلةٍ صمّاء من التعداد، إلى أرقام مفرغة من أيّ معنى إضافي.

ينتهي الشعر حين تنتهي الإنسانية، فنكون حيوانات همجية يقتل بعضُنا بعضًا لكيلا نُقتل، ولمجرّد الشعور بنشوة القوة

وعلى الرغم من كلّ الجهود التي نبذلها كبشرٍ نتألم من تحوّلنا إلى مجرّد مشاهدين، وبالرغم من كلّ حملات "كيب بوستينغ" ومعناها "لنستمر بالنشر"، أي الشيء الوحيد الذي نستطيع فعله بغضّ النظر عن "أفعال" حكوماتنا وغالبية أنظمتنا وأنظمة "العالم الحرّ"، لم يعد لفائض القتل أيّ تأثير إضافي على كلّ ما نحسّ به. فموتٌ واحدٌ، قتلٌ واحدٌ، كقتل الناس جميعاً. ولكن هل يجوز أن يكون قتل الناس جميعاً كقتلٍ واحدٍ؟

وحده الشعر، يخرج الشهيد بسحرِ ساحرٍ من الكتلة المعدومة الملامح للضحايا، من الصورة الجماعية للشهداء التي تشبه مقبرة جماعية، فيُعيد إليه اسمه وتفاصيل كينونته، ويحظى بذلك الأسى الذي تولده في نفوس البشر خسارتهم لشاعر، ويا لها من خسارة. 

كلُّ حياةٍ هي شيء ثمين وغال، لكن فقدان الشاعر، الحقيقي، هو خسارة للإنسانية كلّها.

هذا الأسى هو تماماً ما انتابني إثر مشاهدتي لفيديوهات توالت عبر منصات السوشل ميديا، لشعراء كبار وممثلين مبدعين أجانب، وهم يقرؤون القصيدة الأخيرة للشاعر الغزاوي الشهيد رفعت العرعير "إن كان عليّ أن أموت"، والتي كتبها قبيل استشهاده هو وعائلته في قصف صاروخي لمنزلهم في غزّة. 

أعدت مشاهدة الفيديو مرّة بعد مرّة، فأن تحظى القصيدة المكتوبة بالإنكليزية بمؤدٍّ عظيم كالممثل البريطاني، برايان كوكس، يعني أنّها حظيت بمعبر إضافي إلى قلوب تمكنت بفضل القصيدة ولغتها، من ملامسة تراجيديا غزّة المستمرة، متجاوزةً كلّ أصناف اللغو كالخطابات واللغة الدبلوماسية الصفيقة، وبالطبع: البروباغندا.

كلُّ حياةٍ هي شيء ثمين وغال، لكن فقدان الشاعر، الحقيقي، هو خسارة للإنسانية كلّها

التأثّر الذي بدا في صوت برايان كوكس وهو يقرأ قصيدة الشاعر الشهيد بالإنكليزية لم يعادله إلّا ذلك الصمت المثقل بالحزن والأسى إثر انتهائه من تلاوتها.

لم أكن قد سمعت باسم رفعت العرعير قبل مأساة غزّة. ربّما لأنّه يكتب بالإنكليزية التي لا أجيدها. لا، بل إنّي كنت قد عزفت عن الإصغاء للشعر المنتج في العقود الأخيرة عن فلسطين تحديدًا، خصوصًا بعد تنامي ميل في الإنتاج الذي يتناولها نحو الخطابة. 

هناك دائماً بيت قصيد نادر بين آلاف القصائد، قد تجده كما قد تجد لؤلؤة في محارة. هو بهذه الندرة. وتلك القصيدة "إن كان عليّ أن أموت" هي بيت قصيد كلّ ما قيل في غزّة. أو على الأصح، هذا ما اعتقدته إلى أن شاهدت ذلك الفيديو الذي كان بالنسبة لي في آن: نهاية الشعر وبيت قصيد تراجيديا الغزّيين: أطفال لا تتجاوز أعمارهم الست أو السبع سنوات، ارتدوا.. أكفانًا بيضاء، قياس "ولادي"، وانطلقوا يلعبون لاهين داخل أحد مراكز النزوح. 

ظنّوا، كما قالوا للمصوّر الذي سألهم مدهوشاً عمّا يرتدون، أنها "جاكيتات" تبرّع بها أحدهم من أجل أن يتقوا البرد. 

هناك دائمًا بيت قصيد نادر بين آلاف القصائد. قد تجده كما قد تجد لؤلؤة في محارة. هو بهذه الندرة. و قصيدة الشهيد رفعت العرعير "إن كان عليّ أن اموت" هي بيت قصيد كلّ ما قيل في غزّة

بكيت حين رأيت ذاك الفيديو وتذكرت خليل حاوي، الشاعر الذي أطلق النار على رأسه لدى دخول القوات الإسرائيلية عاصمتنا اللبنانية، بيروت، في العام 1982. يومها لم أفهم، لماذا فعل ذلك الشاعر الفذ ما فعله؟ لم جعلنا نخسره إضافة إلى كلّ ما خسرناه؟ 

اليوم أفهم. 

بدت لي تلك الدقيقة التي هي مدّة الفيديو، كما لو كانت بيت قصيد كلّ ما خرج من صور عن غزّة: كلّ صور المجازر والشهداء والمقابر الجماعية والأسرى العُراة والخيم، صور المنازل والمباني المبادة، صور الشهداء الذين ما زالوا تحت الأنقاض، صور النازحين المتكدّسين في العراء بجانب معبر رفح، متوجّسين من أن يحين دورهم في الموت، ومنتظرين بأملٍ أن يفتح "الإخوة" على المقلب الآخر للحدود باب المعبر لتدخل المساعدات، أو ليخرج من لم يعد يستطيع الاحتمال.

كان الأطفال يلعبون بأكفانهم البيضاء فرحين أمام الكاميرا. من الذي أعطاهم تلك الأكفان ليلبسوها؟ لا أدري. على الأرجح هذا ما توفّر تحت يد من أراد أن يقيهم البرد. ولو علموا ما يعنيه لبسهم لها، لضحكوا ربّما غير فاهمين، متسائلين ماذا يعني "كفن يا عمو". 

انتهى الشعر؟ بل مات وشبع موتاً.