المجنون فريد ابن أبو خلّو (1)

25 فبراير 2021
+ الخط -

كنا نتحدث، خلال سهرات الإمتاع والمؤانسة، عن المجانين. رويتُ للأصدقاء بضعة فصول من سيرة المجنون "فريد ابن أبو خلو". ولكن، ولأننا نشتغل على مبدأ "الشيء بالشيء يُذكر"، فقد شرد بنا الحديث إلى أشخاص ليسوا مجانين وليسوا عقلاء، يعني (نص على نص)، بينما فريد -ما شاء الله كان- مجنون كامل الدسم.

فريد، بحسب ما وصفناه يومئذ، فتى في سن البلوغ، كبير الجسم، شرير، عنيف، لا يدخل إلى الدار ويخرج منها عبر الباب، وإنما يقفز (ويتعربش) على السور، ويُسقط نفسه إما إلى أرض الديار، أو إلى الزقاق، محدثاً ضجيجاً يُرعب والدته وشقيقاته، فيشهقن، ويقلن: يا ساتر. أشو صار؟

وعندما يعرفن أن الجسم الساقط هو فريد يتنفسنَ الصعداء، باعتبار أن هذا أمر مألوف، وتعود كل منهن إلى عملها المعتاد.

وافق العم أبو خلو، بناء على إلحاح أم خلو، على إرسال فريد إلى المدرسة، وبعد أيام قليلة ندم، ولم ينفعه الندم، لأن هذا (الطفل المعجزة) أصبح مصدرَ إزعاج للمدير، والمعلمين، والتلاميذ، ولأبيه، وأمه، وكل أفراد أسرته، واضطر المدير، الأستاذ علاء، الذي كان متعاطفاً معه، ومعجباً بشخصيته الغريبة، إلى طرده من المدرسة، لأن الأذى شيء من طبعه، ناهيك عن أنه كذاب، ذو خيال واسع، يستخدم خياله في الأذى وتأليف الأكاذيب.

أبو ماهر: والله نحن استمتعنا بقصص طَقّ مصدّ، وخود عني جيتك، وأبو الدكّ، وأحلى شي بكار اللي عطف على هالمجانين، وآواهم، وجابهم معه من قرية البلاطة لمعرتمصرين. بصراحة؟ أنا هدول الشخصيات ما عم يروحوا من بالي.

أبو المراديس: إنت يا أبو محمد راح ذهنك للسجن العادي، أنا قصدي قول إنه فريد انسجن في البيت

كمال: وأنا كمان تعلقت فيهم، وقلت لكم، قبل هالمرة، إن هاي نماذج إنسانية فريدة، حتى إنها بتصلح مادة لرواية. تفضل أبو مرداس، كمل.

أبو المراديس: أحلى شي في سيرة فريد الفترة اللي كان فيها سجين.

أبو محمد: طول بالك. إنته ما حكيت لنا إنه انسجن.

أبو المراديس: إنت يا أبو محمد راح ذهنك للسجن العادي، أنا قصدي قول إنه فريد انسجن في البيت. خيو، أنا هلق راح أسلسل الأحداث متلما صارت. الأستاذ علاء، مدير ابتدائية عمر بن الخطاب بإدلب، كان مضطر، بسبب الضغوط من المعلمين، إنه يفصل فريد من المدرسة، لسببين جوهريين، الأول إنه مخرب ومؤذي، والتاني إنه ميئوس منه تعليمياً.. وفريد، رغم الجنون تبعه، كان بيعرف إنه المدير علاء بيحبه، وإنه فصله غصباً عنه، ولما ضب كلاكيشه وغادر المدرسة، مشي في الشارع متلما بيقولوا كتاب القصة القصيرة المبتدئين (هائماً على وجهه)!.. ومع إنه فريد ما كان بيشتري العملية التعليمية بنكلة، لكنه حَبّ يقطع كل صلة بتربطه بالمدرسة، لذلك حط حقيبته المصنوعة من التنك على حافة الرصيف، وفضاها من الكتب والدفاتر، وصار يمسك الكتاب أو الدفتر ويشلفه لفوق بقوة، والكتاب يفرفح وينزل على سطح المدرسة، بعدين سند الحقيبة ع الرصيف، وصار يدقّها بحجر كبير، لحتى أخدت شكل مختلف عن أشكال الحقائب المدرسية، وتركها ومشي، ولما التفت حتى يلقي عليها نظرة أخيرة، انتبه إلى أنها صارت متطاولة ومبوزة متل الكاميرا اللي كان المصور صبحي شعبان يصور فيها، هون عمل متل لافوازيه لما اكتشف قانون الإزاحة في جرن الحمام وقال: وَجَدْتُهَا. شال الحقيبة، وتعربش على سور المدرسة، ونزل ع الباحة المطتظة بالتلاميذ، وصار يجبر بعضهم على إنهم يوقفوا قدامه، ويبتسموا، حتى يلتقط لهم صورة، وكلما وقف واحد وابتسم يخبطه بـ (الحقيبة / الكاميرا) على راسه، ويقول له بتَشَفِّي: صَوَّرتك يا إبني. شي يومين تانيات مر لعندي عالدكان بكون حَمَّضت الصور، وبعطيك صورك!

وبعدما غادر فريد المدرسة، عرف الأستاذ علاء بالقصة، أخد التلاميذ اللي (تعرضوا للتصوير) ع المستشفى الوطني، وأسعفهم، بعدين راح على بيت أبو خلو. وكان العم أبو خلو راجع من الفلاحة مع ولاده خليل وأحمد، وقاعدين عم يتناولوا الطعام. ولما شاف الأستاذ علاء جاية لعنده اندهش، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأنه قلبه خلاه يحس إنه في مصيبة كبيرة وراها فريد. علاء صار يحكي، وهوي عم يغالبه الضحك، عن ملحمة التصوير الضوئي اللي ارتكبها فريد، وقال له: ربك حميد أن الأستاذ عبد الله نفد. مع أنه فريد عزمه.
أبو خلو: شلون عزمه؟

علاء: متل العادة، قال له (تفضل أستاذ، خليني أطق لك صورة!).. الأستاذ عبد الله كتير رقيق وحساس، لو شفت شلون دخل لعندي ع الإدارة وهوي مرعوب وعم يقلي: قوم يا أستاذ علاء، وقف عمليات التصوير.. الله يخليك بيكفي هيك.

أبو المراديس: أبو خلو، لما كان عم يسمع كلام علاء، وقفت اللقمة في زلعومته، ولولا خليل ناوله طاسة المي وشرب منها كان راح فيها. وبعدما بلع اللقمة طلب من علاء يقعد، ويشرب كاس شاي لحتى يفكروا بهالمصيبة على رواق. المهم قعدوا. قال أبو خلو: يا أستاذ علاء، أنت بسعر أخوي الزغير محمد.. وبسعر ولادي خليل وأحمد. أبوس إيدك شور عليك، أشو بعمل بهالبَلْوة؟

علاء (مبتسماً): بلدنا يا عمي أبو خليل مقبرة مواهب. بس الولد ينبغ بشغلة بتلاقي الناس عم تكسر له مقاديفه. أنا بشوف إنك تفتح له ستوديو تصوير في شارع الجلاء، وترى ما بيكلفك شي، الجنتاية اللي صَوَّر فيها فريد رفقاته بعدها موجودة. وأنا واثق إنه راح يشتغل منيح، وخلال شهرين كل المصورين بهالبلد راح يقعدوا ويكشوا دبان.

ضحك أبو خلو وولداه رغماً عنهم.

أبو خلو: أنا عم بحكي جد أستاذ علاء.

علاء: الجد الجد؟ لازم تحط فريد بأوضة لحاله، وتسجنه، وتخلي بينكم وبينه طاقة بتناولوه منها الأكل والشرب. إبنك يا عمي عم يمشي الأذى في دمه. أنا حاولت كتير إني أعقله وأساويه ولد طبيعي ما نجحت.

أبو خلو: خلص فهمت عليك. والله نعم الرأي. 

بعدما راح الأستاذ علاء، لاحظ خليل إنه أبوه صار مهموم ومتضايق. وصار يفكر جدياً بسجن لفريد. فقال له: ياب الأوضة اللي عند باب الدار في إلها شباك ع الزقاق، وجنبها في حمام وتواليت. منركّب لها باب حديد ومنقفلها. ومنعمل في الباب طاقة، ومنناوله الأكل والشرب منها. خلينا نجرب نسجنه متلما قال الأستاذ علاء، ومنشوف تيسير الله.

(للقصة تتمة)...