الله يرحم أيام الهاتف اليدوي

الله يرحم أيام الهاتف اليدوي

24 يونيو 2023
+ الخط -

قلت لأبو سعيد إن الاختراعات التي تصلنا، نحن السوريين، من الغرب كلها رائعة ومفيدة، وتسهّل علينا بعض المصاعب التي تعترض حياتنا، وتختصر الكثير من الوقت، ولكن هذه الاختراعات لم تأتِ إلينا بصيغتها الحالية منذ البداية، بل كان ثمة تَدَرُّجٌ ناجم عن تجارب جرى تطويرها من قبل علماء الغرب خلال الزمن.. لاحظ، مثلاً، أنك تحكي معي الآن من إدلب، بالواتساب، وقتَما تشاء، وتسمعني جيداً، ونستطيع، إذا شئنا، أن نفتح الكاميرا، و(نطق حَنَك) حتى الصباح.. وفي الوقت نفسه، نتحدث، أنا وأنت، عن الصعوبات الهائلة التي عانى منها آباؤنا الذين استخدموا الصيغة البدائية للهاتف، أقصد الهاتف اليدوي الذي دخل حياتنا في الستينيات. والطريف في الأمر أن آباءنا كانوا يتحدثون عن تلك النسخة البدائية من الهاتف بإعجاب، بدليل أنني سمعت المرحوم والدي يقول لصديقه "أبو رائد":

- تصو~ر، إذا أردت منك شيئاً، في السابق، كنت أضطر لأن أمشي من داري في الحارة الغربية إلى دارك في الحارة الشمالية، على الأقدام، وأما الآن فأستطيع أن أدير مَنَويل التلفون، وأقول لأبو صالح الجالس في المقسم، أعطني أبو رائد، فيصلني بك، ويمكننا أن نتحدث جملتين أو ثلاثاً، أو أربعاً، وحتى إذا أردنا أن نفتح حديثاً مطولاً، نستطيع ذلك.

ورد عليه أبو رائد: الله يديم علينا هذه النعم يا أبو طارق.

كانت المشكلة الوحيدة، آنذاك، أن البلدة كلها لا يوجد فيها سوى خمسين خطاً هاتفياً، يعني اختصار الوقت والتعب الذي كان في متناول والدي والعم أبو رائد، لم يكن متاحاً للكثيرين من أصدقائهما الذين ليس لديهم خط هاتفي.. وبالمناسبة؛ لم يكن مستبعداً، في تلك الأيام، أن يمون جار على جاره، فيطلب منه أن يجري مكالمة هاتفية ضرورية من عنده، بل وكان شائعاً أن يتصل شخصٌ من اللاذقية، مثلاً، بمنزلنا في معرة مصرين، ونحن نرد على المتصل، فيقول لنا:

- عدم المؤاخذة، أريد أن أحكي مع جاركم أبو عمر، هو أعطاني رقمكم، وأعلمني أن بإمكاني الاتصال به عن طريقكم.

فنقول له: أهلاً وسهلاً، تكرم عينك وعين جارنا أبو عمر.

ونضع السماعة جانباً، وأذهب أنا (أو أحدُ إخوتي الأولاد)، بسرعة البرق، إلى دار أبو عمر، وأطرق الباب، وبعد الإجراءات المتبعة في فتح الباب، وهي كما يلي:

- مين؟

- أنا خطيب، ابن أبو طارق بدلة.

- خير يا ابني أشو بتريد؟

- جاييكم اتصال بالتلفون من اللاذقية، إذا كان جارنا أبو عمر هون خليه يتفضل إلى دارنا ويحكي مع المتصل.

وأما في دارنا، فكانت الاستعدادات لقدوم الجار أبو عمر تتطلب أن تضع نساؤنا الحجاب، أو يرتدين ثياب الصلاة الفضفاضة، ويقوم أحد إخوتي الصبيان بفتح الطريق لأبو عمر، باتجاه الغرفة التي يوجد فيها التلفون، ويدخل أبو عمر وبصره إلى الأرض، احتشاماً، وهو يقول:

- يا الله يا الله. في حدا؟

كانت المشكلة الوحيدة، آنذاك، أن البلدة كلها لا يوجد فيها سوى خمسين خطاً هاتفياً

فنقول له: تفضل جارنا، ما في حدا.

وكثيراً ما كان الرجل يدخل، ويحمل السماعة، ويقول (ألو)، فيكتشف أن الاتصال قد قطع بسبب التأخير الذي حصل بين إبلاغه وحضوره، فيضطر لإغلاق السماعة، ثم يدير المَنَويل، ويسلم على عامل المقسم، ويقول له:

- الله يخليك يا أبو صالح، بدك تتصل لي باللاذقية، لأني جيت لأحكي ولكن الخط انقطع.

فيقول: تكرم.

ويحاول إعادة الاتصال، ونادراً ما كانت هذه العملية تنجح.

وبينما كان المسؤولون في دائرة البريد والبرق والهاتف يفكرون في توسيع الشبكة، وإتاحة عدد أكبر من الخطوط الهاتفية اليدوية لأبناء البلدة الذين يرغبون في اقتناء تلفون يدوي، جاءنا الفرج من الدول المختصة بالاختراعات، وهو أنهم اخترعوا الهاتف نصف الآلي، الذي لا يحتاج أن تدير المَنَويل لكي يسمعك عامل المقسم، ولكن، بمجرد ما ترفع السماعة، تسقط النمرة في غرفة المقسم، وسرعان ما تسمع صوت العامل يقول لك: ألو نعم.. وهذا كان يتطلب تنسيق المقسم اليدوي، وشراء مقسم من النوع الجديد، يتسع لـ 200 خط هاتفي، دفعة واحدة.

وانتشرت هذه المقاسم نصف الآلية في المدن الكبيرة، ومراكز النواحي، وأما القرى الصغيرة فكانوا يضعون في كل واحدة خطاً يمددونه إلى أحد الدكاكين، ليخدم كل أهل القرية، فكان مَن يريد أن يتصل يأتي إلى الدكان ويطلب الرقم، ويجلس في الانتظار حتى يأتيه الخط، وبعد إجراء المكالمة يدفع أجرتها له.. وأما الدوائر الحكومية، فكان لكل موظف في غرفته هاتف نصف آلي، يمكنه أن يتصل منه بعامل المقسم، ويطلب منه أن يؤمن له اتصالاً خارجياً، وهذه هي الطامة الكبرى، فقد كانت الاتصالات الخارجية أكثر من صعبة، بل عويصة، وأنا أذكر أننا، خلال نشاطاتنا الثقافية، في الثمانينات، أي قبل نحو خمسين سنة فقط، كنا نضطر إلى أن نتصل بأديب يقيم في إحدى قرى محافظة إدلب، لندعوه إلى أمسية أو مهرجان، فلا نفلح في الوصول إليه، ولعل أبرز مثال على ذلك كان صديقنا الشاعر "محمد شيخ علي" الذي كان يقيم في "كنصفرة"، وهي بلدة متوسطة الحجم تقع في آخر جبل الزاوية من جهة الجنوب، وهو لم يكن لديه رقم في المنزل، ولكننا كنا نحاول أن نوصل إليه خبراً عن طريق مقسم كنصفرة، بأن يأتي في يوم محدد ليلقي على الجمهور بعض أشعاره، فيكون دون ذلك خرط القتاد، وحينما كنا نحاول طلبه عن طريق مقسم إدلب، يقول لنا عامل المقسم:

- والله أنا طلبته لكم عن طريق مقسم أريحا، ولم أفلح، دعونا نجرب الاتصال به عن طريق مقسم ناحية "إحسم"..

ويجرب، ويخفق، ويجرب عن طريق مقسم جسر الشغور، ولا فائدة، واستمر هذا الوضع المستعصي حتى التسعينيات، وأنا اشتريت، في سنة 1993، سيارة بيك آب (وانيت)، وصرت كلما ذَكَرَ أحدُ الأصدقاء دعوة الشاعر محمد شيخ علي إلى نشاط ثقافي، أحذرهم من محاولة الاتصال به هاتفياً، لأن هذا مستحيل، وأقترح عليهم أن نذهب إليه، ونشرب عنده كأساً من الشاي، ونقول له ما نريد..

(للسيرة صلة)   

خطيب بدلة
خطيب بدلة
قاص وسيناريست وصحفي سوري، له 22 كتاباً مطبوعاً وأعمال تلفزيونية وإذاعية عديدة؛ المشرف على مدوّنة " إمتاع ومؤانسة"... كما يعرف بنفسه: كاتب عادي، يسعى، منذ أربعين عاماً، أن يكتسب شيئاً من الأهمية. أصدر، لأجل ذلك كتباً، وألف تمثيليات تلفزيونية وإذاعية، وكتب المئات من المقالات الصحفية، دون جدوى...