القرد أفطس الأنف... رسالة متأخرة إلى تشارلز داروين

22 أكتوبر 2020
+ الخط -

في فيلم وثائقي عن الحياة البرية في سلسلة جبال الهيمالايا، التي تمتد من الباكستان غرباً مروراً بالهند وحتى نيبال لتصل إلى أعلى قمة على وجه الأرض قمة جبل إفريست، بعدها تشق السلسلة طريقها عبر بوتان وتنتهي في الصين..

هنا في مقاطعة يونان وعلى ارتفاع 2500 متر عن سطح البحر توجد غابة متجمدة يختبئ فيها حيوان يحبس الأنفاس ونادراً ما يُشاهد. إنه قرد يونان أفطس الأنف. هذا القرد الذي يقطن في أعلى قمة في العالم، لا يملك أرنبة أنف تتعرض للسعات البرد، وله شفتان ورديتان تميزانه عن غيره من القرود.

فراء هذا النوع من القرود يبلغ طوله خمسة عشر سنتيمتراً يحميه من البرد. وحين شاهدتُ لأول مرة القرد أفطس الأنف الذي يعيش في أحوال جوية ثلجيَّة أغلب فصول السنة، خطر لي أن أسأل من وجهة نظر تطورية ما الفائدة التي جناها هذا النوع من القرود بأنف أفطس أو قل مجدوع الأنف؟

القرد أفطس الأنف من القرود المذيلة التي تعيش على الأشجار. وهذا النوع لا يعيش في مكان آخر من كوكب الأرض. جبال الهيمالايا موطنه، وقد اكتشف العلماء وجود هذا النوع منذ سنوات قليلة..

العلماء المُتخصّصون يقولون إنه في هذا المسار التطوري تم التغلب على مشاكل كثيرة، ولو كان الأمر يتعلَّق بتصميم سابق ذكي، فلماذا كل هذا العناء؟ لماذا الرئة؟ لو خُلِقَ خلقاً مُستقِلاً لاحتاج إلى الخياشيم

والسؤال هنا كيف تكيف قرد أفطس الأنف للعيش في تلك البيئة المعادية للحياة؟ وما العلاقة بين أنفه الأفطس والمناخ الثلجي الذي يوجد فيه كل أيام السنة؟

تعد فكرة التطور التي طرحها تشارلز داروين واحدة من أهم الأفكار العلمية في العصر الحديث. فقد أحدث مفهوم تغير الأنواع تدريجياً عبر ما يسمى بالانتقاء الطبيعي والتكيف مع البيئة ثورة في فهمنا للعالم الحي. وفي كتابه "أصل الأنواع"، الذي صدر عام 1859، أوضح داروين أن التطور أدى إلى ظهور أنواع مختلفة من أصل واحد. عوامل عديدة أدت بالقرد أفطس الأنف كي ينعزل في تلك الجبال عن جنسه ويشكل نوعاً جديداً كان حتى الأمس القريب مجهولاً من قبل علماء الحيوان.

التطور يفعل فعله في الطبيعة منذ ملايين السنين، لأن الأنواع الحية من نبات وحيوان لم تُخلق خلقاً مستقلاً بل لها شجرة نسب تُعيدها إلى جذر مشترك.

يقول الدكتور عدنان إبراهيم، في السلسلة الطويلة عن التطور والتي سجلها في أكثر من ثلاثين ساعة وحكى فيها عن التطور من ألفه إلى يائه، وكان موفقاً في حديثه، حيث بسط فكرة "التطور" وجعلها في متناول جميع الناس:

أنت لو تأملت في سيرة حياة الدلافين والحيتان التي تتنفس الهواء وسط المحيطات لأدركت كيف يعمل التطور. الدلفين يتنفس من رئة، ولو بقيَ في الماء لفترة طويلة، لغرق كما يغرق الإنسان، والأمر نفسه مع الحوت وخنزير الماء الذي يُسمى الأطوم، لذا يصعد إلى السطح ويأخذ هواء ثم يعود إلى الماء، لكن كيف يستنشق بلا منخارين؟ هو تطور عن حيوان له منخاران ظلا يتراجعان حتى صارا فتحة في أعلى الرأس، وهي عريضة لكي يأخذ كمية هواء كبيرة، ولها صمام لحمي يُغلِقها به حين يدخل الماء.

العلماء المُتخصّصون يقولون إنه في هذا المسار التطوري تم التغلب على مشاكل كثيرة، ولو كان الأمر يتعلَّق بتصميم سابق ذكي، فلماذا كل هذا العناء؟ لماذا الرئة؟ لو خُلِقَ خلقاً مُستقِلاً لاحتاج إلى الخياشيم، المسألة أنه أتى من كائن ثديي بري، له رئتان ومنخاران، وحين اضطُر للعودة إلى الماء، حدث كل هذا التغير عبر ملايين السنين.

هناك الكثير من الآثار الباقية التي تُؤكِد تحدره من ثديي رباعي الأطراف بري، مثل الولادة، الإرضاع وإدرار اللبن، وجود قلب بغرف أربع، كقلب الإنسان، وكيفية العوم؛ فهي تعوم بالطريقة التي تسير بها الفقاريات رباعية الأطراف البرية، عمودها الفقري يتماوج إلى الأعلى والأسفل وليس كسائر الأسماك يميناً وشمالاً.

القرد أفطس الأنف تكيف مع العيش في جبال شاهقة كما تكيفت الحيتان والدلافين للعيش في المحيطات. فقد القرد أرنبة أنفه لأنه يحتاج إلى فتحة أنف واسعة لتدفئة الهواء المستنشق. وعند تشريح جمجمة القرد أفطس الأنف، نجد أن فتحة الأنف كبيرة جداً. إنها مِدفئة طبيعية من أجل رفع درجة حرارة الهواء البارد قبل ذهابه إلى الرئة.