الثالوث الأسود

01 نوفمبر 2020
+ الخط -

متصرفية جبل لبنان 1915

تزعق والدتي بعد أن استبدّ بها غضب من فقد كلّ سبيلٍ إلى السّيطرة: كفّ يا محمد، كفّ يرحمك الله!

كنت أواصل البكاء كالفتيات منذ الصباح؛ فقد ذبح والدي الصّديق الوحيد لأيّامي. أنظر في وجهها الذي يشبه مومياء تكتسي ببعض الجلد بحنق واحمرار.

- ذبحتم كلبي! لا.. ذبحتم قلبي يا أمّي، ذبحتموه.
- اسكت!

تنظر إليّ. تشاركني البكاء والعويل، ثمّ ما تلبث أن تخنق أنفاسها بقدوم أبي فتنهرني بقوّة لأختفي من أمامه.

يناديها بصوته الأجشّ. طالما اعتقدّتُ أن شاربه الكثّ يعمل كمحوّل للصوت فيخرج هادراً مخيفاً. لم يكن هذا وحده سبب خوفي منه، كان رجلاً معروفاً ببأسه وشدّته في الجبل بأكمله، يهابه الكبير والصّغير.

ناداني. نظرتُ إلى أختي بخوف، كانت مومياء صغيرة كوالدتي. نهرتني أن أجِب أباك. كنت غاضباً. كيف أقابله؟ قاتل قلبي..

سحبه قبل أن أصحو، لا بدّ أنه رافقه مسروراً، ترى كيف كان نباحه عندما داهمته سكين الخيانة؟

غرقت في أفكاري حينما علا صراخه: "لمَ يختبئ منّي؟".

كان الجميع يبكون في المنزل فيما هو يصرخ بغضب، حاملاً كسرات من الخبز منادياً إيّانا لنأكل. هنيهاتٍ قليلة. اختفت الأصوات، اقتربتُ من الباب الخشبيّ الوحيد الباقي في غرفنا، فقد باع أبي كلّ الأثاث ثمّ الأبواب فيما عدا هذا الباب القديم. لم نأكل منذ أيام، كيف ألوم عائلتي على خيانتها لي؟

باع أرضه، وكل مناول الحرير الّتي كان يفتخر بها طوال عمره بعد أن قضى الجراد على ما تبقّى من محصول. كان سيجد طريقه للكساد في كل الأحوال حيث حُوصرت البلاد بحريّاً من قبل "الحلفاء"، وأكمل "جمال باشا العثماني" المهمّة في قهرنا وتجويعنا من خلال سياسة الاحتكار لأيّ مواد غذائيّة قد تأتي من دمشق أو البقاع. ثالوث المصائب قضى علينا!

كم دعوت الله تلك الّلحظة كي يكذب أبي. بينما حاولت والدتي أن تومئ بإشاراتٍ تمنعه عن الكلام، وكم ناجته مراراً أن لا يخبرهم بديانتنا أو أسمائنا

 

تغصّ الّلقمة في حلق والدتي: بكم بعت لحم الكلب؟ ها قد وصلنا إلى القاع، لو استمعت إليّ واشتريت الحبوب.. لمَ كُتب على أهل الجبل زراعة التّوت؟

- كفاكِ يا امرأة، اصمتي واحمدي ربّك على النّعمة. من يعرف متى الموعد القادم لتناول الطعام.

يصمت الجميع، يهزّ أبي رأسه المحنيّ وكأن الجبل الذي نعيش فيه انتقل إلى ظهره. يأمر والدتي بإحضاري لتناول الطّعام رغماً عنّي، ملوحاً بالوعيد: أحضريه وإلّا أحضرت ذاك الكلب على طريقتي.

أتابع البكاء بإخلاص. ليس حزناً على الكلب كما يعتقدون، كنت أشتاق لأيامنا السابقة، دود القزّ والحرير، خيرٌ كثير ورفعةٌ بين النّاس. كنّا أصحاب هيبة وصيت ذائع. كنت أعلم أنّ النّاس أصبحوا فقراء بالجملة، ولكن إلى متى؟ ضاق الصبر بروحي الهشّة، وفقدنا كلّ شيء. تلمع فكرة في رأس أمّي فتعلنها باستعجال وحماس: لمَ لا ننتقل إلى دمشق؟ نذهب إلى أبي الفقراء، البطريرك "غريغوريوس حداد".  وصلتني أنباء أنّه يطعم النّاس ويرفق بهم، وقد باع  كل مقتنيات الكنيسة وصليبه الماسيّ المرصّع ورهن كلّ أوقاف البطريركية والأديرة لمساعدة الناس.

تدور المعارك بينه وبينها طويلاً، تتهاوى دفاعاته أمام إصرارها وكفاحها المستميت. يتذكّر ذبحه للكلب طلباً لبعض المال. يخاف من الأعظم وممّا سمعه هنا وهناك. تتداعى كلّ العقائد والمثل أمام الجوع. يصبح هو الآمر وعلى الجميع الامتثال خاضعين لكلّ ما كان مكروهاً. قرّرنا الرّحيل. لم نذهب وحدنا. كان كثير من الناس يرحلون. إمّا إلى بقاع جديدة بحثاً عن قوت بأيّ ثمن، أو إلى حيث ينتهي الجوع أبديّاً.. ولو بالموت.

مشينا كثيراً، أياماً وليالي. كانت المسافات تسوقنا كثيران ترزحُ تحت نير مستبدٍّ بينما تنهش أحزمة الجوع والعطش والحرّ أحشاءنا ومآقينا. لم يطل الأمر على البعض ممن أحبهم الرب. رحلت مومياؤنا الصّغيرة على الطريق. لم تجد أمي دموعاً تبكيها. دُفنت في أرضٍ مجهولة، بينما بقيت أرى أضواء الكون تطفأ واحدًا تلو الآخر وكنت قد آثرت الصّمت منذ فترة طويلة حتّى ظنّ بعض الغرباء الّذين رافقونا في تلك الرّحلة المشؤومة أنّي أخرس. اليوم صرنا ثلاثة بعد أن كانت لنا عشيرة وعزوة. أين هم أبناء قومنا؟ بعضهم قضى جوعاً، ومرضاً، وقهراً والبعض سُحِب إلى "سفر برلك"، لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. كنت في بداية بلوغي، ولكني بدوت أصغر للجند الّذين أرادو سحبي معهم؛ فبقيت شاهداً.

***

دمشق 1915

وصلنا عند الرّمق الأخير، حشود غفيرة على باب البطريركيّة. الكلّ ينشد الرّحمة. هيئة أبي الّتي تبدّلت إلى هيئة مسنٍّ ينشد حسنات الآخرين كانت أشدّ إيلاماً في نفسي من قسوة الثّالوث. ترى هل تكون رحلتنا ضرباً من الجنون يقضي على ما تبقّى؟ دخلنا إلى بهو مليءٍ بحشود غفيرة من ذوي العظام الناتئة. وقفنا ننتظر قسّاُ يوزّع العون هنا وهناك. كان طويل القامة ذا عينين واسعتين ترصدان كل ما يحيط بها بسهولة. تفرّس في وجوهنا الذائبة، ثم توجّه إلى أبي باستعلاء وفظاظة، وكأنّه يستجوب متّهماً: ما اسمك أيّها الرّجل؟

أُمسكتُ بيده ضاغطاً عليها، مراقباً وجه أمّي يزداد شحوباً واتّساخاً. تخاطرنا نحن الثّلاثة في فكرة سبق لنا مناقشتها في الطّريق. وكم دعوت الله تلك الّلحظة كي يكذب أبي. بينما حاولت والدتي أن تومئ بإشاراتٍ تمنعه عن الكلام، وكم ناجته مراراً أن لا يخبرهم بديانتنا أو أسمائنا.

ترى هل ننجو؟

- اسمي بشير، وابني محمد.

رصف أبي كلماته بشموخ كان قد غاب منذ مدّة، فمن أحضره الآن؟

طرقات على الباب. دخل رجل أطول قامة من القسّ، ذقنه كثيفةٌ رماديّة، وابتسامته كوجه عصفور صغير. ألقى التّحيّة على جميع الناس، فاتّجهت الأبصار والآمال نحوه. همهمات وصيحات وأدعية بطول العمر ودوام الصّحة من هنا وهناك. استوقفه امرأة، بينما تابع القسّ ذو العينين الواسعتين متوجّهاً لأبي: ما ديانتك؟

يسمعه البطريرك، فينهره أمام العامّة، حاملاً أحد الأرغفة المخصّصة للتوزيع، مقلّباً إيّاه بعنف، في جملةٍ علقت في رأسي حتّى بعد أن خرجنا من البطريركية المريميّة الّتي أصبحت ملاذنا مدّة يسيرة، وحتّى بعد أن وجد أبي عملاً يطعمنا ويكسونا، وحتّى بعد انقضاء السنين وانتهاء المحنة الّتي اختبرت النّاس حتّى رسب أغلبهم وأشدّهم اجتهاداً.

يومها غاب عني مغزاها؛ ربما لصغر سني، أو لتركيزي على الرغيف الذي يمسك به ذاك الرجل الذي يشبه العملاق.

قال له: هل كُتِب على الرّغيف من هو صاحبه؟ ألا يكفيه ذلّ السؤال والطّلب حتّى تذلّه أنت؟!