اختفاء الرجل الغامض

اختفاء الرجل الغامض

26 مارس 2023
+ الخط -

لا أحد يعرف كيف اختفى محمد سالم، ولا إلى أين حطّ رحاله هاته المرة، كل ما في الأمر أن سكان قرية "بوكدية" استيقظوا يوماً على نبأ اختفاء هذا الرجل الغامض.

يزعم البعض أنه وقع في قبضة عصابة تتاجر بالبشر بعد أن عجز عن تسديد دين كبير لأحد أفراد العصابة، ويقول آخرون إنه قرر فجأة ودون سابق إنذار أن يعود إلى الحسيمة بعد أربع سنوات من العيش بعيداً عن مدينته ومسقط رأسه. أما سهام، فكانت على علم بأن محمد سالم قد غادر القرية مهاجراً على أمل أن يعود من جديد لينقذها من الفقر والبؤس الذي ولدت فيه ولم تبرحه يوماً. انطلق محمد سالم ذات مساء نحو صديقه الحراق الإسباني "روبيرتو"، ليغادر أرض الوطن بجواز سفر مزور، وقد بلغ غايته دون أن يتفطن إلى أمره أحد.

وفي الوقت الذي كانت فيه الألسنة الفضولية تلوك سيرة محمد سالم وتحوك قصصاً ونظريات أقرب للخيال منها إلى الواقع، كانت سهام تراقب كل ذلك في صمت وتمنّي نفسها بفرج قريب وخلاص طال انتظاره. كانت المسكينة تحلم بحرية قريبة ومستقبل أفضل من حاضرها، وكانت تعلق كل آمالها على محمد سالم الذي وعدها بالزواج فور أن يتمكن من الحصول على الجنسية الإسبانية. لهذا السبب لم تفكر كثيراً عندما جاءها يوماً يطلب منها مبلغاً هائلاً من المال حتى يتمكن من عبور الحدود الإسبانية المغربية وتحقيق حلمه، بل حلمهما، منذ أن عرفته وهو يتكلم بصيغة المثنى؛ محمد سالم وسهام سينعمان بالمال والسعادة، والرفاه والبنين، محمد سالم وسهام سيودعان الفقر بصفة نهائية وسيرحبان بالثراء الفاحش والعملة الصعبة. كان هو من يحلم عوضاً عنها، ولم تكن سهام تمانع، كل ما يهمها سعادته ورضاه، فيما ترضى هي بقليل القليل ما دام هو إلى جانبها.

فاغن. بينما توقفت الحياة بالنسبة لسهام في انتظار رجل علقت عليه كل أحلامها، كان هو يحقق أحلامه الحلم تلو الآخر مع امرأة منحته حبها وجسدها والجنسية الإسبانية

حين علم أهلها برحيل محمد سالم بشكل فجائي، اختلفت ردود الفعل؛ تنفس الوالد الصعداء وحمد الله كثيراً على الخلاص الذي انتظره طويلاً، عاتبت الأم التعيسة ابنتها، وظلت تكرر على مسامع ابنتها الوحيدة موال العُكُوس ولعنة العنوسة التي أصابت العائلة عن بكرة أبيها، أما الأخ الأكبر فبات يلاحق سهام مثل ظلها ولا يكاد يفارقها لكي لا تصبح مثل الفتيات الصائعات اللاتي يهوى معاكستهن كلما داهمه الإحساس بالفراغ و الملل القاتل.

وما إن ذاع خبر اختفاء محمد سالم حتى جاء عدد من الشبان طلباً ليد سهام التي كانت تتفنن في صدهم كل مرة بالرغم من عتاب أمها وتوسلاتها لها.

خمس سنوات مرت على سهام وهي تحترق بنار الانتظار، تذهب في بداية كل فصل جديد من فصول السنة إلى الحدود المغربية الإسبانية بحثاً عن محمد سالم، كانت تستسقي أخبار الحراقة والمهاجرين حتى باتت تعرف عن مآسيهم وأحزانهم أكثر مما تعرف عن خطيبها. لكن الخمس سنوات التي قضتها وهي تجابه العالم وحيدة وتستميت في الدفاع عن الرجل الذي وعدها بالثراء والحياة السعيدة كلها ضاعت هباءً منثوراً عندما عاد محمد سالم، ويا ليته لم يعد. بدا للجميع أن الحياة أنصفته، فقد نال المال والثراء الذي كان يضعه نصب عينيه وهو يطأ الديار الإسبانية لأول مرة، ولكن أكثر من ذلك، حصل على الرفاه والبنين الذي كان يمني نفسه به.

عاد إلى قرية "بوكدية" مع ابنه وزوجته الإسبانية وسيارته الفولكس فاغن. بينما توقفت الحياة بالنسبة إلى سهام في انتظار رجل علقت عليه كل أحلامها، كان هو يحقق أحلامه الحلم تلو الآخر مع امرأة منحته حبها وجسدها والجنسية الإسبانية التي كانت أكبر طموحاته، امرأة لم تذق مرارة انتظاره كالمعلقة ولا ضحت بنصيبها من الإرث وكل ما تملك من مال لأجله. كان اسمها "ميراندا" تتشابه وغريراتها من الأوروبيات اللاتي يعود بهن المهاجرون كما لو كنّ غنائم أو سرايا حرب، كانت بالكاد تفهم اللغة العربية وتتكلم الدارجة بلكنة مضحكة. أما محمد سالم، فقد كان ثملاً بما أغدقته عليه الحياة، ولم يكن آسفاً لما آلت إليه حال سهام، التي لولا تضحيتها الجسيمة، لما كان ينعم بكل هذا.         

آية العزوق
أية العنزوق
كاتبة وطالبة جامعية باحثة في مجال علم النفس، مهتمة بالقضايا السياسية والاجتماعية. لها عدّة مقالات وقصص قصيرة في الصحف والمجلات. تعرّف عن نفسها بقول للكاتبة فرجينيا وولف "رغبتي للحُب لم تخبو وتذبل، فما تزال بداخلي أحاسيس التوق والهيام ولا أستطيع أن أُظهرها للعلن، أوليست أرق وأعذب المشاعر تِلك التي نجعلها محبوسة بداخِلنا؟!".