أبو أحمد صديق أردوغان

أبو أحمد صديق أردوغان

09 نوفمبر 2021
+ الخط -

(الجزء العاشر من حكاية المعلم أبو أحمد ورحلته من إدلب إلى حماه)

انقلب السحر على الساحر. في رحلة العودة من حماه إلى إدلب في الميكروباص الذي يقوده السائق "أبو الفهد"، نصح بطلُ سيرتنا معلمُ المدرسة الفهلوي أبو أحمد الراكبَ الكهل "أبو كمال" بألا يحتفظ بكل ما يملكه من مال في جيبه.

أبو كمال استعجب هذا الرأي، وسأله عن السبب، فقال: لنفرض أن حاجزاً حقيراً جداً أوقف الميكروباص، وقرر رئيس الحاجز السافل اعتقال ابنك الشاب "أدهم"، بتهمة أنه فار من الخدمة العسكرية، واندفعتَ أنت لتخليص ابنك من الاعتقال، وقدمت لرئيس الحاجز كل ما تملك من مال، وقتها ستصبح مفلساً على الحديدة، فماذا تفعل مع الحواجز الأخرى؟ ومن أين ستدفع لهم ما يجعلهم يتركون ابنك يعبر بسلام؟.

اقتنع أبو كمال بالفكرة، بل وتحمس لها، وترك في جيبه خمسة وعشرين ألف ليرة فقط، وطلب من أبو أحمد أن يخبئ بقية النقود معه، وأبو أحمد، من شدة الحرص، والفهلوية، دحش نقود "أبو كمال" في منطقة قريبة من تكة سرواله الداخلي، وشد فوقها حزام البنطلون. والتفت إلى أبو كمال وعلى وجهه أمارات النصر، وقال له: الرأس الذي ما فيه حيلة قَطْعُهُ أولى من تركه عالقاً فوق الكتفين.

انفلت أبو أحمد، وهو يسرد عليّ هذه الحكاية، بالضحك، وقال لي: هل تعرف، يا أبو المراديس، ماذا جرى معنا أثناء مرورنا بالحاجز التالي؟

قلت: طبعاً لا أعرف، ولكنني أخشى أن تكون الجَرَّة الفخارية قد انكسرت برأسك.

قال: نعم. هذا الذي صار. فما هي إلا ربع ساعة حتى وصلنا منطقة مكشوفة، لا يوجد فيها شجر أو بيوت، ووقتها قال أبو الفهد: انتبهوا شباب، بعد قليل سيوقفنا حاجز الطزطيزة.

سألتُ صديقي أبو أحمد: ومن أين جاءته هذه التسمية الغريبة؟

قال: والله لا أعرف. يبدو أن عناصره يطزطزون في أوقات الفراغ كثيراً. المهم، في رحلة الذهاب وقفنا عنده، ولم يكن فيه شيء مميز. نزل وقتئذ السائق أبو خليل، دفع المعلوم لأحد العناصر، وعاد، وتابعنا طريقنا. وأذكر أن أبو خليل قال لنا: حظكم كبير، الرقاص مو هون.

- ومن يكون الرقاص بلا صغرة؟ (سألته).

بحركة سريعة مد يده إلى جيب سترته وأخرج ورقة وضعها مع النقود، ثم فتح الكيس وأخرج الورقة، وقلبها على قفاها، وصاح: يامو على سامو

قال أبو أحمد: حدثنا أبو خليل يومها عن عسكري غريب الأطوار يقال له (الرقاص)، يستحيل أن تمر بالحاجز سيارة إلا ويكون له قصة مع أحد ركابها. المهم، كان طاقم الجنود الواقفين على الحاجز وقت الذهاب قد تبدل، وطلع في نصيبنا "الرقاص". اكتسب هذا العسكري، كما عرفتُ خلال عدة سفرات قمت بها، لقب الرقاص لأنه، عندما يعثر على شغلة غريبة، يرفع يديه إلى الأعلى، ويفتلهما بكل الاتجاهات مثل الرقاصين، وهو يقول: يا سلام. يا روحي. تعال تفرج يا رفيق، تعال شوف يا معلم..   

المهم أن الرقاص، وهو يفتش الميكروباص، لاحظ وجود انتفاخ تحت حزام بنطالي من الأمام.

فقال لي: أنت، يا عمنا المحترم.. ما هذا الشيء النابق عندك من الأمام؟

وانفلت فجأة بالضحك وقال: لا تقل لي هذه قيلة (قرق). أنا أعرف القيلة، وأميزها عن كل الأشياء الأخرى.

وراح يفقس بأصابعه، ويهتز كل جسمه، ويشير لي بيده أن أنزل وهو يقول: تعال لعندي يا عمي. تعال، حتى أرى ماذا تخبئ في كلسونك.

توقفت قليلاً، وأدركت أن الرقاص سيشلحني النقود التي أمتلكها، بالإضافة إلى صرة نقود العم أبو كمال. التمعت في ذهني فكرة، قلت له: أريد أن أقابل المعلم.

جن جنون الرقاص. صار يصيح وهو يرقص: المعلم؟ أنت تعرف المعلم؟ من أين تعرف المعلم؟ أهو ابن دورتك في العسكرية وأكلتما معاً قصعة مخلوطة (شوربة العدس)؟ تعال يا معلم. تعالوا يا معلمين.. يا كل المعلمين الموجودين على الحاجز، تعالوا تفرجوا على هذه النمرة.

همس لي أبو كمال: الله يخليك يا أبو أحمد افرطها. لا تعلق معه.

قلت للرقاص: طيب أنا نازل لعندك.

وبسرعة خاطفة سحبت الكيس الممتلئ بالنقود وقذفته لأبو كمال. هنا حصلت حركة جعلت الركاب كلهم يخافون، وصارت وجوههم صفراء مشوبة بالأحمر، مثل الكريفون.. فالرقاص لقم البارودة، وقال: الكل يرفع يديه لفوق!

ومد يده وتناول كيس النقود الذي قذفته لأبو كمال. وبحركة سريعة مد يده إلى جيب سترته وأخرج ورقة وضعها مع النقود، ثم فتح الكيس وأخرج الورقة، وقلبها على قفاها، وصاح: يامو على سامو. هذا رقم تركي. الله أعلم أن هذا رقم أردوغان.

وهنا صار يرقص كما لو أنه ناصب على رأس الدبكة في العرس.. وفي هذه الأثناء تقدم منا شاب في الأربعين من عمره، تبدو عليه علامات الهدوء والتعقل، وقال للرقاص:  خلص بقى ولاه حقير. خلينا نفهم القصة.

وقال لنا: مَن منكم صديق أردوغان؟

قلت له: وحد الله يا أخ. الكيس لي. والرقم المكتوب على الورقة له. أقصد لهذا الأخ زميلكم الذي يصرخ ويرقص. ولنفرض أن الورقة لي والرقم رقمي، كيف عرفَ أنه لأردوغان؟ الله وكيلك أنا طول عمري لم أدخل إلى تركيا، وحتى لو دخلتها.. مَن أنا حتى يعطيني رئيس تركيا رقم تلفونه؟ أخي، خذ، هذا جوالي، وفيه وحدات، جرب اتصل بالرقم المكتوب على الورقة لنرى من سيرد عليك. إذا رد عليك أردوغان كما يقول الأخ أنا مستعد لكل شيء.

تقدم أبو كمال، وقال للرجل العاقل: أخي، ممكن نحكي أنا وأنت كلمتين على انفراد؟

قال الرجل: تفضل.

وسحبه جانباً وابتعدا عنا قليلاً. وفي هذه الأثناء صار الرقاص يرقص دون إحداث ضجيج، وصار يحدثني همساً، ويقول لي: أنت وحظك يا حاجي. إذا كانت والدتك راضية عليك يقبل الملازم أول بروايتك، ولكن إذا ثبت أن الرقم لأردوغان، فلا تستبعد أن تروح فيها إعدام!

(للسالفة تتمة)