72 سنة والميزان الفلسطيني الإسرائيلي

19 مايو 2020
الصورة

(نبيل عناني)

+ الخط -
لنضع جانباً كل تلك البكائيات الصامتة التي درجنا عليها في الذكرى السنوية ليوم النكبة، وقد حلت قبل أيام، ولنتوقف قليلاً عن جلد الذات واستمطار اللعنات على رأس واقع الحال البائس للفلسطينيين والعرب بعد مرور 72عاماً، لإجراء مقاربةٍ تقوم على الحقائق الصلبة، وتستند إلى المتغيرات المتراكمة في واقع متغير، برؤيةٍ تاريخيةٍ تعتمد منهج تجميع الميزات النسبية الفلسطينية في كفة، وتضع النواقص والإخفاقات الإسرائيلية في كفةٍ مقابلة، لعلّنا نتمكّن من إجلاء بعض جوانب الصورتين المتضادتين، الفلسطينية والإسرائيلية، بعقل بارد.
غداة النكبة، كان الفلسطينيون مجرّد كتلة لاجئين معدمين يثيرون الشفقة، أو قل كمية سكانية مهمّشة ومنكسرة، تقطن أغلبيتها في مخيماتٍ معزولة، بلا حول ولا قوة، وتحت الصفر، حيث كان نسيجهم الاجتماعي ممزقا ومشتتا، بلا حقوق مدنية، وبلا قيادة ولا هوية ولا حركة وطنية، أما اليوم فقد أصبحوا شعباً كامل الأهلية، معترفاً به، بهويته، بروايته، وبحقوقه المشروعة على أوسع نطاق، وصاروا شعباً ذا حضور يملأ الجغرافيا السياسية، بعدما سطّر ملحمة صمود إعجازي، وكتب فصولاً مجيدة من المقاومة، ازداد في غضونها كمّاً ونوعاً، ارتقى تعليما وثقافة ووعياً، وحسّن كثيراً من مستوياته المعيشية.
وأكثر من ذلك، لم يعد الفلسطينيون فائضاً سكانياً في اللامكان، أو قل على هامش الهامش، يضيق به شرق المتوسط بما رحُب، ويغصّ به الهامش الإقليمي الأوسع، خصوصا بعد أن أقام ثواره أول جسر على أول أرض متاحة، عادوا بمئات الألوف، أوقفوا لأول مرة نزيف الهجرة المتواصلة، عكسوا اتجاهها من الشرق إلى الغرب، قلبوا الهرم المقلوب على رأسه في ديار الشتات، ونقلوا قاعدته إلى حاضنتهم الاجتماعية على أرض الصراع، وفتحوا دروب النضال متنوعة الأشكال أمامهم، بما في ذلك الدروب الديبلوماسية والحقوقية، وأرسوا حقائق ديمغرافية وهياكل سياسية غير قابلة للامحاء.
بحسب آخر إصدارات الإحصاءات، يبلغ عدد الفلسطينيين اليوم نحو 13.4 مليون نسمة، نصفهم يعيشون في فلسطين التاريخية، أي أنهم تضاعفوا تسع مرات، وهذه إحدى الحقائق التي لا تقبل الامحاء، فيما بلغ عدد شهدائهم نحو مائة ألف، ومرّ منهم بتجربة الاعتقال نحو مليون إنسان، لديهم عشرات الجامعات والكليات الجامعية، آلاف المدارس والمراكز التعليمية والإعلامية، وفيهم نخبة النخبة العربية من المفكرين والمثقفين والأدباء والإعلاميين والمبدعين، ناهيك عن الآلاف المؤلفة من المقاتلين الأشداء، فأين حال هذا الشعب مما كان عليه حاله قبل أزيد من سبعين عاماً.
على الجانب المقابل، تبدو إسرائيل في السبعينات من عمرها مليئةً بفائض من القوة العسكرية المجرّدة، ذات قدرات اقتصادية وتكنولوجية متقدّمة، وغير مهدّدة استراتيجياً في المدى المنظور، إلا أنها تظل على الرغم من ذلك دولة استعمارية ذات عقل صغير، قلعة معزولة عن محيطها، تعيش على حدّ سيفها، وتتحسّب لمصيرها الوجودي، تعتمد على منطق القوة بدلاً من قوة المنطق، تندفع نحو التطرّف والفاشية بعماء بصيرة، وتتنكّب طريق الفصل العنصري بكفاءة، دولة معربدة مقامرة وفاسدة من رأسها، لا ترى في الكون إلا أميركا، ولا تعرف من اللغات سوى لغة القوة.
لقد فقدت هذه الدولة، التي كثيراً ما تم وصفها في الغرب معجزة، وملاذا آمنا للناجين من الهولوكوست، ميزاتها النسبية المزعومة واحة ديمقراطية في صحراء الشرق الأوسط، كما أدّى طول أمد احتلالها، شدة قمعها، فظاظة انتهاكاتها، احتقارها القانون الدولي، وعربدتها العسكرية والسياسية، وغير ذلك من الممارسات المدانة، إلى تجريدها من عناصر التفوق القيمي والأخلاقي الذي ادّعته، وإلى خسارتها لتعاطف الرأي العام الدولي الذي حظيت به في السابق، وأسقط عن وجهها القناع، جعلها دولة متوحشة، باغية مكروهة وشريرة.
وفيما تتجلّى الصورة الفلسطينية، بعد 72 سنة من النكبة، بكل ما تنطوي عليه من ميزاتٍ نسبية، تُقلل من فداحة الخلل في الميزان، تعزّز الثقة بالنفس وتعد بالأمل، وتحضّ على التفاؤل بحتمية كنس الاحتلال، تبدو الصورة المقابلة مظللةً بمظاهر القوة الغاشمة، تخفي تحت السطح تشوّهات الخلقة والنشأة والمآل، ومعضلات ديمغرافية وجغرافية لا حلّ لها، دولة تجدع أنفها بيدها، وتحفر قبرها بنفسها، شأنها شأن كل الغزاة، أو كما قال محمود درويش "إنهم عابرون في كلام عابر".