حفتر يدمر ليبيا: 231 مليار دولار خسائر النفط في 9 سنوات

08 يوليو 2020
الصورة
النفط المصدر الرئيسي لقوت الليبيين (حازم تركيا/الأناضول)

تكبّد النفط الليبي خسائر باهظة، بسبب الحرب الدائرة بين الفرقاء والتي أدت إلى تعطيل إنتاج الذهب الأسود وحرمان الشعب من مصدر الدخل الرئيسي لإيرادات الميزانية، الأمر الذي تسبب في تدهور سعر الدينار بالسوق السوداء وتفاقم الأزمات المعيشية.
وكشف رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، أنً خسائر الإنتاج والبنى التحتية للنفط والفرص الضائعة على الدولة الليبية بسبب الإقفالات غير القانونية للحقول والموانئ تناهز 231 مليار دولار خلال تسع سنوات.

ورقة ضغط سياسي
صنع الله أوضح خلال اتصال هاتفي مع "العربي الجديد" أن خسائر قفل الحقول النفطية مند يناير/ كانون الثاني الماضي، بلغت 6.5 مليارات دولار، مؤكدا أن النفط يستخدم كورقة ضغط لمساومات سياسية. وقال إن الإنتاج تراجع من 1.250 مليون برميل يوميًا نهاية عام 2019 إلى 90 ألف برميل حالياً.
وأضاف أن هناك خسائر في البنية التحتية من بينها 164 بئر تحتاج إلى صيانة عاجلة، بالإضافة إلى مضخات وميناء راس الأنوف تحتاج إلى صيانة عاجلة في الأنابيب، كما انهار أحد الخزانات في حقل الشرارة النفطي.
وأوضح بيان المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، الذي صدر مؤخرا، أن إعادة إنتاج النفط بشكله الطبيعي يحتاج إلى وقت وتمويلات ضخمة تفوق قدرة الدولة على تحملها. ومنذ عام 2013 ونفط ليبيا لم يصل إلى معدلاته الطبيعية نتيجة الإقفالات والاعتصامات المتكررة للحقول وموانئ تصدير النفط.

وانخفض إنتاج البلاد من النفط، المحرك الرئيسي للاقتصاد الليبي، خلال عام 2013 إلى 933 ألف برميل، ثم إلى 480 ألف برميل عام 2014، و410 آلاف في 2015، و355 ألف برميل في 2016. وارتفع عام 2017 إلى 878 ألف برميل، وواصل ارتفاعه في 2018 إلى 950 ألفا، ثم إلى مليون برميل عام 2019، وفق بيانات رسمية.
وتعتمد 95 في المائة من ميزانية ليبيا على الإيرادات النفطية، ويخصص أكثر من نصف الميزانية لرواتب موظفي القطاع العام والدعم الحكومي لعدد من المنتجات، من بينها الوقود وخدمات مثل العلاج في المستشفيات بالمجان.
وتسعى المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، ومقرها العاصمة طرابلس، إلى الابتعاد عن الصراع، لكنها تواجه ضغوطًا من مليشيات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، التي تسيطر على غالبية الموانئ النفطية شرق البلاد، وكذلك حقول الإنتاج. 
والمؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس معترف بها دوليًا، وفق قرار مجلس الأمن الرقم 2362، وهي الموكلة إليها مهمة مراقبة عمليات الإنتاج والتصدير، للتأكد من مطابقتها القواعد والضوابط المقررة، إضافة إلى المتابعة والتفتيش في عمليات قياس إنتاج النفط والغاز والمشتقات الأخرى، فضلًا عن قياس الكميات المصدرة إلى الخارج.
وتمتلك ليبيا احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي تبلغ 55 ترليون قدم مكعبة، وتملك المنطقتان الغربية والجنوبية أكثر من 68 بالمائة من إنتاج الغاز الطبيعي في البلاد.
لكن هذه الاحتياطات غير مستغلة بالشكل الكافي، بسبب قلة الاستثمارات المحلية والأجنبية، نظرا لتركيز البلاد على النفط، الذي تملك البلاد منه أكبر احتياطي في أفريقيا، فضلا عن الأوضاع الأمنية.
وفي ظل الصراع المحتدم والمتشابك حول ثروات النفط والغاز، تتطلع الأطراف الإقليمية والدولية إلى دور بارز في رسم خريطة ثروات الذهب الأسود، وفي مقدمتهم الأمم المتحدة.
وكانت مصادر من داخل حكومة الوفاق الوطني الليبية، كشفت مؤخرا، لـ"العربي الجديد" عن مقترح بشأن إعادة تصدير النفط عبر ترتيبات جديدة بمشاركة بعثة الأمم المتحدة. وأوضحت المصادر، التي رفضت ذكر اسمها، أن الآلية الجديدة المقترحة تدرس ضمانات لتوزيع الأموال على مختلف أنحاء البلاد من دون إعطاء تفاصيل بشأن كيفية توزيعها.

تهاوي الدينار
وعلى خلفية تهاوي الإيرادات النفطية انخفضت العملة المحلية أمام الدولار الأميركي في السوق الموازية لتبلغ نحو ستة دنانير بينما السعر الرسمي 1.4 دينار. وتخوف محللون اقتصاديون من استمرار أزمة الحقول النفطية حتى نهاية العام، إذ سينعكس ذلك سلبا على مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية.
وقال متعاملون في السوق الموازي بالظهرة إن ارتفاع الدولار تواصل منذ أزمة الحقول النفطية في التاسع عشر من شهر يناير/ كانون الثاني الماضي دون توقف.
وأكد سمسار عملة، رضوان الشيباني، لـ"العربي الجديد" أن سعر العملة يعتمد بشكل أساسي على النفط وفي حالة إغلاق الحقول فإن سعر الدولار يرتفع مثلما حدث في 2016 إذ وصل سعر الدولار آنذاك إلى تسعة دنانير.

وأكد الباحث الاقتصادي، على المصراتي، لـ"العربي الجديد" أن سعر صرف الدولار يعتمد بشكل أساسي على ما يوفره مصرف ليبيا المركزي من عملات صعبة، وفي حالة تصدير النفط فإن المعروض من الدولارات يكون جيدا ويستقر سعر صرف العملة المحلية. وتوقع المصراتي ارتفاع الدولار إلى معدلات غير مسبوقة في حالة استمرار قفل الحقول النفطية حتى نهاية العام.
وذكرت وزارة المالية بحكومة الوفاق في تقرير حديث، اطلع عليه مراسل "العربي الجديد"، أن احتياطات النقد الأجنبي تناقص إلى 63 مليار دولار حاليا، مقابل 77 مليار دولار مستواه في أكتوبر/ تشرين الأول 2019.
وقال رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، محمد الرعيض، إن قفل الموانئ والحقول النفطية جريمة يعاقب عليه القانون لأنه قوت الشعب الليبي، محذرًا من تدحرج الوضع الاقتصادي والمعيشي للأسوأ في حالة وقف إنتاج النفط لفترة طويلة.
 وأضاف أن روشتة الإصلاح الاقتصادي سوف تتضمن رفع الدعم عن المحروقات بالإضافة إلى تعويض العاملين بالقطاع الخاص بسبب تفتشي فيروس كورونا وصرف علاوة العائلة المتأخرة عن الصرف خلال السنوات الماضية.
وفي نفس السياق، قال المحلل الاقتصادي أبوبكر الهادي لـ"العربي الجديد" إن توقف الصادرات النفطية المورد الرئيسي للعملة الصعبة للاقتصاد يؤدي إلى تآكل الاحتياطيات من النقد الأجنبي.
وأوضح أن مؤشرات السوق تكشف عن تدهور سعر الدينار في السوق السوداء، وهذا مؤشر خطير سوف يؤدي إلى ارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية.

عجز ضخم وأزمات
أظهرت بيانات حديثة لمصرف ليبيا المركزي أن هناك عجزا في الموازنة العامة خلال الخمسة أشهر الأولى من العام الحالي بنحو 11 مليار دينار، بالإضافة إلى عجز في ميزان المدفوعات في ذات الفترة بقيمة 2.7 مليار دولار.
ولاحظ أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد الحميد الفضيل، أن هناك عجزا في الترتيبات المالية باستثناء رسوم مبيعات النقد الأجنبي التي تغطي مشروعات التنمية وتسديد الدين العام.
وقال إن زيادة العجز ترجع إلى قفل الحقول والموانئ النفطية، مضيفا أنً الإيرادات النفطية خلال خمسة أشهر تبلغ نحو 2.5 مليار دينار أي ما يعادل إيرادات نفطية لشهر واحد من عام 2019.
وانعكست الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها البلاد على الشارع الذي بات يعاني من أزمات الغلاء والسيولة وضعف الخدمات. ويحاول المواطن علي الترهوني، منذ أكثر من شهرين سحب راتبه الشهري من أحد فروع مصرف الجمهورية لغرض الحصول على 500 دينار ولم يتمكن بسبب نقص السيولة.
وكان المدير التنفيذي للشركة العامة للكهرباء الليبية، علي ساسي، قال في تصريحات سابقة لـ"العربي الجديد" إن الشبكة الكهربائية تعاني من عجز يصل إلى ألفي ميغاواط بينما لا يتعدى الإنتاج 6000 ميغاواط، ما تسبب في طرح الأحمال لساعات طويلة على المواطنين. وأكد ساسي أن محطة جنوب طرابلس متوقفة بسبب الحرب، بالإضافة إلى توقف المشاريع الاستثمارية للشركة منذ عام 2016 وهناك خطوط خارج الخدمة للدوائر الكهربائية. وتقدر وزارة الحكم المحلي أن نحو 125 ألف منزل تضررت في جنوب طرابلس من الحرب في حين أُجبر نحو نصف مليون شخص على النزوح.

دلالات