يوم الدم في عمدون التونسية

02 ديسمبر 2019
الصورة
تكررت الحوادث المفجعة في تونس (فتحي بلعيد/ فرانس برس)
+ الخط -

خرج عشرات الشباب التونسيين، ذكوراً وإناثاً، ممن لا يتجاوزون ثلاثين عاماً، في رحلة ترفيهية إلى مدينة عمدون، غربي البلاد، لكنّ الموت كان ينتظرهم، فقتل 26 وأصيب 17

لم تعرف جفون عائلات أربعين شابة وشاباً النوم طوال ليلة الأحد - الإثنين، بعد يوم طويل لم ينتهِ، امتزجت فيه دماء الشباب بمياه وادي عين السنوسي، في مدينة عمدون بمحافظة باجة، حيث هوت حافلتهم.
شيعت العائلات والتونسيون جميعاً جثامين 26 شابة وشاباً أغلبهم من أبناء محافظة بن عروس، بالزغاريد والعويل والدموع ولوعة لم تفارق الوجوه والقلوب.
وأطبق الحزن على أهالي مدينة جدليان بمحافظة القصرين الذين تجمهروا لتوديع الشقيقتين سوسن وإيمان خليفة وابنة خالتهما اللواتي توفين في الحادث المروع في سفح جبال عمدون. وتحمل الفتيات الثلاث مسؤولية إعالة عائلة مكونة من عشرة أفراد، بعدما كانت اثنتان منهن تعملان مساعدات منزليات في تونس العاصمة، وفي المصانع، لتوفير لقمة العيش لعائلتهم الفقيرة التي يعاني فيها والد الشقيقتين من بطالة مزمنة.
وغير بعيد عن محافظة القصرين، ودّع أهالي القصور في محافظة الكاف، إحدى ضحايا حادث مدينة عمدون، لكنّ القدر شاء أن تفجع المدينة والأهالي بحادث متزامن مع الجنازة، إذ شهدت منطقة الزوارين من معتمدية الدهماني في المحافظة نفسها حادث مرور مروعا تمثل في دهس قطار لامرأتين من أقارب ضحية عمدون، أثناء قطعهما السكة مشياً لتفارق إحداهما الحياة.
ذهبت فاجعة عمدون بأحلام الشباب مع أرواحهم، إذ فارقت الملاكمة هبة عبدلاوي الحياة، لتنتهي معها أحلام الوصول إلى بطولة العالم وإلى رفع راية تونس في الألعاب الأولمبية. وكانت عبدلاوي قد كتبت كلمات مؤثرة على حسابها في موقع "فيسبوك" جاء فيها: "سأترك لكم نهاية جميلة ورائعة ثم سأرحل للأبد وهذا وعد".



رافق "العربي الجديد" عملية تسلم جثامين الشباب المتوفين إلى عائلاتهم في مستشفيات العاصمة، كما تابعت وضع المصابين. وقالت سمر، صديقة الشابة المصابة في الحادث، نورس منصوري، التي تتواجد في مستشفى الرابطة بالعاصمة، بعد خضوعها لعملية جراحية، إنّهما معاً أستاذتان جامعيتان في كلية الشريعة، وتحلمان بنيل شهادة الدكتوراه، والعمل في منظمات دولية، ورفع اسم تونس في المنابر الدولية.
أضافت لـ"العربي الجديد" أنّ نورس مليئة بالحياة ومفعمة بالأمل ومقبلة على المستقبل وتحلم بغد أفضل في تونس. وقالت إنّ كلّ شيء في تونس اليوم يبعث الخوف، فليس ممكناً الذهاب للترفيه حتى أو للدراسة من دون مخاوف، مطالبة بمحاسبة المسؤولين ومعاقبتهم.
في أول خطوة رسمية جدية، قدم محافظ باجة، سليم التيساوي، الإثنين، استقالته إلى وزير الداخلية، من دون تقديم توضيحات حول أسباب ذلك. وفي هذا الإطار، تحاول الجهات الرسمية تداول الموضوع عن بعد وسط تقاذف للمسؤوليات، ما بين الطرقات الوعرة غير المؤهلة بالرغم من أنّها شهدت حوادث مماثلة في السابق، وما بين نقص الإمكانيات الضرورية في المستشفيات المحلية في الجهات واضطرارها إلى إرسال الجرحى إلى العاصمة، للتداوي وإجراء الكشوف التي تتطلب تجهيزات أساسية.
وقال رئيس البلاد، قيس سعيّد، الذي زار المستشفيات: "الحداد سينتهي، لكنّ الأسباب التي أدت إلى الحادث المؤلم لن تنتهي ما لم نتخذ القرارات اللازمة لمواجهتها… سأعمل كلّ ما في وسعي لمواجهة تداعيات الكارثة وإصلاح ما يمكن إصلاحه".
تابع سعيّد: ''لا بد من أن يضمّ المرفق العمومي للصحة في مختلف الجهات التجهيزات بالقدر نفسه، لا أن ينقل جرحى في حالات خطرة إلى مئات الكيلومترات"، وذلك بسبب غياب التجهيزات الضرورية في المستشفى الجهوي بباجة الذي استقبل جرحى الحادث.



وأكد سعيّد أنّ من الضروري تدارك الأوضاع والنظر في الأسباب الحقيقية لهذا الحادث والعديد من الحوادث في تونس التي تصنّف ضمن الدول الأولى في عدد الحوادث القاتلة، واصفاً ذلك بـ"إرهاب الطرقات".
وشدد على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة في معالجة هذه الظاهرة، لا تقتصر على الجانب الصحي فقط، بل تشمل البنية التحتية والثقافة المرورية وغيرها من المسائل. وتابع: ''تقع الحوادث في جميع الدول، لكن من المحزن شكل الرعاية التي يجدها المرضى في المستشفيات، إذ لا يمكن أن نصفها بالرعاية بالرغم من وجود الإرادة".

من جهته، أعلن مجلس نواب الشعب (البرلمان) أنّ رئيسه راشد الغنوشي، أشرف، صباح الإثنين، على جلسة عمل طارئة مع نواب ولايات الشمال الغربي؛ باجة والكاف وجندوبة وسليانة، حول أوضاع هذه الجهات، بحضور نائبي رئيس البرلمان ومساعده المكلف بالعلاقات مع الحكومة ورئاسة الجمهورية.
وأشار المجلس في بيان نشره على صفحته الرسمية بموقع "فيسبوك" إلى أنّ الحاضرين تلوا في مستهل الجلسة الفاتحة على أرواح المتوفين، إثر فاجعة الحادث الأليم، متقدمين بأحرّ التعازي إلى عائلات الشباب، راجين الشفاء العاجل للمصابين والجرحى، ومطالبين بالإحاطة الصحية والنفسية والمادية اللازمة للمصابين وعائلاتهم.



وأوضح أنّ أعضاء المجلس عن دوائر الشمال الغربي، قدموا تشخيصا لأوضاع جهات باجة والكاف وجندوبة وسليانة في مختلف المجالات والقطاعات، مشيرين بالخصوص إلى مشاكل البنية التحتية وقطاعات الصحة والتعليم والنقل والفلاحة، والربط بالماء الصالح للشرب، كما أكّدوا تعطّل مشاريع عدة وعدم رصد الإمكانات والاعتمادات اللازمة لتحسين أوضاع هذه الجهات ذات الأولوية.




وذكر البلاغ أنّ النواب طالبوا بضرورة تحديد المسؤوليات، على خلفية هذا الحادث الأليم ومختلف الكوارث التي تهز الجهات الأقل حظاً، داعين إلى التحقيق القضائي ومحاسبة المسؤولين والمتورطين، مشددين على ضرورة تنفيذ التوصيات الصادرة عن هذا الاجتماع، ورفعها إلى الحكومة ومتابعة تنفيذها مع الحكومة المقبلة، مطالبين بتقرير من الحكومة ومختلف الوزارات المعنية.
ونقلت الصفحة عن رئيس المجلس تأكيده على "ضرورة تفعيل مبدأ التمييز الإيجابي المنصوص عليه في الدستور لتحقيق مطالب الشعب في جميع الولايات الأقل حظاً، والجهات المنكوبة، لا في الشمال الغربي فقط"، مشيراً إلى أنّه سيتم عرض التوصيات المسجلة على اجتماع مكتب المجلس المقبل، بهدف فك العزلة عن جهات الشمال الغربي ودفع عجلة التنمية فيها.