يوميات الحزن الليبي

17 نوفمبر 2014
الصورة
نذير تنبولي / مصر
+ الخط -
هيئة ثقافة في حكومة البرلمان الليبي في طبرق لها كتاب وفنانون وإعلاميون تابعون لها، ووزارة ثقافة في حكومة الإنقاذ الوطني في طرابلس لها الشيء نفسه.

حرب دامية محتدمة بينهما في كل مكان. المثقّف الليبي ميسور الحال أو الذي تقلّد منصباً في نظام القذافي، أو نظام فبراير، سحب ما استطاع من مال، وشدّ الرحال إلى تونس أو مصر أو تركيا.

هذا الانقسام، "الثقافي"، ينطبق على كل شيء في البلد. الخطف والاغتيال والسجن يمسّ الجميع. تخرج من بيتك ولستَ تدري إن كنت ستعود إليه. لا جيش ولا شرطة في الشوارع. بنغازي مقفلةٌ، ويصعب التحرّك داخلها. أكوام القمامة تتكدّس في كل مكان، لأنّ الطريق إلى مكب المدينة الرئيسي مقفلة.

الكل يطلق النار، الكل امتلك السلاح. في البيت الواحد يمكن أن ينشب قتالٌ بين الإخوَة أنفسهم؛ هذا ينتمي إلى "الكرامة"، ذاك إلى "أنصار الشريعة"، وذلك إلى "فجر ليبيا".

السفر عبر الطريق البري مخاطرة كبرى. ثمة توقيفات مجهولة، وتفتيش لكل شيء. "تعال انزل. هات اللابتوب". تضعه على مقدمة سيارة عسكرية. يتفرجون على الصور، صور عائلية. تحاول أن تعترض بكلام عن الخصوصية والحقوق ثم تتراجع، لأنك إذا قلت شيئاً فذلك سيعني أنك ستبقى لديهم.

"هات الموبايل"، ويبدأ الاطلاع على الأرقام والصور والفيديوهات. قبل الوصول إلى حقول ألغام الرسائل تتوقف بطارية الهاتف. جيد، لا وقت لديهم لشحنه من جديد.

"أنت كاتب؟" يسألني، "نعم" أجيبه. "مع من؟" يسألني بحدّة، فأقول: "مع هذا المجرم" وأريه القلم. "اذهب"، لا تعجبه تلك البلاغة.

تقول لنفسك إن تفتيش المقتنيات الشخصية يحتاج إلى أمر من النيابة، لكنك ترى من نافذة الباص دبابةً تعلوها عدة مدافع رشاشة، وجندي نصفه عسكري ونصفه مدني، فتغض الطرف وتنسى.

يبتعد الباص. نصل بلدةً مليئةً بمحلات الجزارين ومطاعم الشواء الملحقة بها. المكان يشير إلى ذبح حيوانات عدةٍ، وثمة الآن أمام محل الجزار جملٌ صغيرٌ مربوطٌ ينتظر دوره، وتيسٌ يحاول الهرب، لكن الحبل المربوط بشجرة الزيتون لن يمنحه الفرصة.

الناس يتناولون اللحم المشوي الميت أمام الجِداء الحيّة والجِمال المنتظرة دورها. ينسون الإهانات السابقة والمعاملة المقرفة التي تعرضوا إليها. الشواء اللذيذ يجعل الإساءات كلها من الماضي، ويبدو فعلاً أننا نتقاتل في ليبيا، لكن قصعة رز أو كسكسي باللحم يمكنها حقن الدماء.

بعد الشاي والسجائر التي تعقب وليمة الصلح نعود إخوة من جديد. وننسى من مات من أجل الوطن أو أي قضية آمن بها أو وضعوا له شرَكاً كي يؤمن بها.

أناس تموت في بنغازي، ومهرجانات سياحية وتمر ولبن ورقص وفرح في إحدى مدن الجنوب. نعم، مرحباً بالفرح.. لكن الفرح الذي يراعي المشاعر.

ثمة استياءٌ من قبل بعض المثقفين من تنظيم نشاطات ثقافية تنتمي إلى أطراف الصراع. فلنجنّب الثقافة نهر الدماء. لنصنها الآن. الثقافة هي الحل، وهي التي ستوحد الليبيين.

نحن لا تحكمنا السياسة، بل مزاجنا. نلتف جميعاً حول أغنية ليبية تنفذ إلى وجداننا. لكن ذلك لن يحدث إلا عندما نشبع، ونصل إلى الجدار، نصطدم به، ثم نحطمه برؤوسنا.