وليم دكسون...صدمة الإنكليزي أمام فرسان برماح طويلة في فلسطين

30 مارس 2019
الصورة
لوحة مائية تصور بحيرة طبريا في القرن الـ 19
+ الخط -

لا يخرج الرحالة الإنكليزي وليم دكسون عن الخطوط العامة التي سار عليها غيره من الرحالة من أبناء جلدته الإنكليز أو عما كتبه رحالة أوروبيون آخرون، وانطباعاتهم التي أفردوها للمشرق العربي، خصوصا الكليشيهات الجاهزة حول العرب وعاداتهم ويومياتهم.

لقد كانت تلك الوصفيات مليئة بالتعالي، ولم تسع إلى فهم هذا الشعب الذي يعيش في هذه الأرض، وكيف عاش حضارة عربية واحدة أجهضتها الأطماع من كل جانب وفتكت بها صراعات الأقوام من الملل والنحل الأخرى، التي جاءت غازية وطامحة للسلطة والسيطرة.

زمن الرحلة هو 1865، والوجهة كانت فلسطين. في البداية كان محتوى الكتاب عبارة عن رسائل إلى أهله، قام دكسون بجمعها بعد ذلك في كتاب بعنوان "الأرض المقدسة" The holy land، وصدر في لندن عام 1869.

يتميز دكسون بكونه يجمع بين ولعه بالتاريخ واهتمامه بالرحلات، وقد أنجز في مساره عددا من الرحلات إلى كل من المغرب وإسبانيا والبرتغال وتركيا، كما ساح في الولايات المتحدة الأميركية، علاوة على الرحلة التي قام بها إلى مصر وفلسطين، وبالتالي فقد كان الرجل على اطلاع واسع ومعرفة دقيقة بأحوال الشرق والعالم العربي.

ولو كان الجامع بينه وبين الرحالة الإنكليز والغربيين عموما هو استقصاء الغريب واللهاث خلفه، فهذا لا يخرج عن نظرة مقيمة في العقل الباطن للإنسان الغربي، بما في ذلك جمهرة الباحثين والمثقفين، بأنه ما زالت توجد هناك رواسب أو بقايا للإنسان البدائي، وأن جزءا من مهام الرحالة البحث عن هذا وتدوينه وتقديمه لـ"أوروبا الحضارة" كفرجة سانحة، أو ككنز قلما يتكرر العثور عليه.


تصوير دقيق

وعلى كل المعايب، يسهل تلمس الجدية التي تسم مثل هذه الكتابات، وقدرتها على تقديم لوحات تفصيلية للحياة في الشرق الضاج بصراعاته وأسراره، وربما في هذا المنحى، يكون دكسون قد قدم جديدا بمساهمته في التأريخ للمنطقة وفلسطين على وجه الخصوص.

لقد كان هناك صراع محموم بين هؤلاء الرحالة، من يأتي أولا، ثم صارت كتبهم مرشدة لبعضهم البعض، وهنا نجد أن طائفة واسعة من الفرنسيين والإنكليز والإيطاليين والإسبان والهولنديين قد هجموا على فلسطين، وزاروا القدس، وعادوا بمخطوطاتهم كي ينشروها في السنوات التالية.

سيكتب دكسون كتابه "الأرض المقدسة" في البداية على شكل رسائل إلى عائلته، لكنه سيعود لاحقا عند رجوعه إلى إنكلترا، ويقوم بجمع الرسائل في كتاب، تحت العنوان سالف الذكر، في تركيز منه على الزيارة التي قام بها لفلسطين، وللقدس على وجه التحديد.

يلتقط دكسون لحظة وصول السفينة التي تقله مع عدد كبير من الحجاج إلى يافا، ويومها لم تكن ميناء صالحا لرسو السفن، إذ كانت السفينة عادة ما تقترب من الشاطئ مستغلة حالة هدوء البحر، وينزل الركاب إلى الساحل عبر قوارب صغيرة، ثم تعود السفينة بعد ذلك إلى الأعماق، حتى لا تجرفها حركة المد والجزر وتتلاعب بها الصخور فتتحطم.

يكتب: "قبيل الفجر أقبلت سفينتنا على ميناء يافا. كان على ظهر السفينة شيوخ من العرب، وحجاج من الإفرنج، وعبيد وتجار يونان وكهنة أرمن".

سيدخل دكسون بعد الرسو إلى يافا، وأول ما ستسجله عيناه هو الطابع القديم للمدينة وآثار الحروب على أبنيتها، التي كان يجري ترميمها بعد كل حرب كي تقوم المدينة من جديد.


يافا الناهضة من حروبها

يقدم وصفا جميلا للمدينة، راسما إياها ببهاء، وكأن الأمر يتعلق بصورة فوتوغرافية ملونة وواضحة المعالم، يقول "تقوم أبنية يافا على تلة وعلى لسان ناتئ تحيط به أمواج البحر، وترتفع المنازل واحدها فوق الآخر كأنها كوز الصنوبر.

ومع أنها البلدة الرئيسية في منطقة غنية، فلا توجد فيها شوارع ولا مجاري مياه ولا أسواق ولا متاجر. ومع أنها كانت دائما بوابة القدس البحرية، فلا توجد لمينائها أرصفة أو منارات ولا رصيف لنزول الركاب، بل أنه لا توجد طريق تؤدي إليها".

يصف دكسون يافا ويتحدث بإسهاب، مسحورا بجمالها، عن طابعها الإسلامي، كما يتحدث عن بوابة القدس وبوابة الماء التي تواجه البحر، والتي يدخل منها كل هؤلاء البشر القادمين من الغرب إلى فلسطين، من فرنسا وإنكلترا وتركيا ومن مصر وإيطاليا واليونان. وهذه البوابة التي تدخل كل هؤلاء البشر المتوجهين إلى القدس، لم تكن إلا فتحة في السور، ومنها أيضا يخرج ما تصدره فلسطين خارج البلاد من ذرة وبرتقال وموز وزيتون.

لم تكن أيضا وسائل النقل الجديدة متوافرة، فلا عربات خيول، بل كانت الجمال هي وسيلة النقل الوحيدة، الناس يحملون في الغالب أغراضهم على أكتافهم أو على ظهور الدواب. وكان الناس يستعينون في الغالب بخدمات الحمالين في التسوق، هؤلاء يرافقون السيدات أو من يطلب خدمتهم في الأسواق، ويحملون الحاجيات إلى البيوت.

كان من الطبيعي أن ينتبه دكسون إلى هذه التفاصيل الاجتماعية، هو القادم من لندن، التي عرفت في تلك الفترة التاريخية حياة مدنية منظمة وقوة ضاربة.

سيقيم دكسون في يافا لبضعة أيام، ومن هناك سيتوجه إلى القدس برفقة دليلين، بعدما اشترى فرسا عربية أصيلة. كان في تلك الأثناء أحد وجوه فلسطين واسمه عقيلة آغا، شخصا مطلوبا من قبل الأتراك، لكنه كان في كل مرة يفلت منهم، بسبب تحركاته الكثيرة واحتياطاته الأمنية، وقد طارت شهرته في الآفاق، حتى أن الأجانب والرحالة الوافدين إلى فلسطين، يعرفونه أو كانوا قد سمعوا عنه وعن بطولاته وعلاقته المتوترة مع الأتراك.

وقد كان عقيلة كما هو معروف، يعيش على السلب والنهب ومسكنه على ظهر جواده. كان يعتبر أن شرف الفارس العربي الحقيقي أن يكون على ظهر جواد أصيل، يعترض القوافل ويسلبها ويهدي منها ما يشاء للقبائل، التي كانت توفر له نوعا من الحماية بالتكتم على تحركاته وعدم إخبار السلطات العثمانية بأماكن اختبائه.


عرب برماح طويلة

أثناء رحلته، سيصادف دكسون آخرين في طريقهم إلى القدس، وقوافل أخرى لكوكبة فرسان عرب تمر في الطريق برماح طويلة، يقول "لم يكن أولئك الحجاج رفاق دربنا الوحيدين، بل كنا نرى بين فترة وأخرى غبارا يثور، ورماحا تلمع في ضوء الشمس وكوكبة فرسان البدو على خيولهم يسيرون عبر السهل الهادئ. نراهم جماعات صغيرة، وهو يتجهون جنوبا نحو غزة وأسدود، كأنهم ماضون إلى موعد يرفعون فيه راية القتال.

خيل إلينا من نظراتهم المستطلعة وشفاههم الحازمة، أنهم من رجال عقيلة، أو من إحدى القبائل المتحالفة مع الهنادى الذين يطيعون زعيمهم، وأردنا أن نعرف منهم أخبار عقيلة، فسأل يعقوب أحدهم، فعلم منه أن قبولي باشا في طبريا وأن عقيلة ليس هناك. لا أحد يعرف أين عقيلة، ولكن هناك حرائق ونهبا في كل مكان".


الرملة وقبة المسجد الأبيض

من الواضح جدا أن دكسون أعجب شديد الإعجاب بالرملة، التي نزل فيها، حيث قاده كاهن إلى غرفة معتمة من أجل الراحة. يصف دكسون الرملة بأنها البلدة المسلمة، وفيها توجد المئذنة الشهيرة للمسجد الأبيض في الخان القديم. وهو يعتبر أنها تنافس في جمالها قبة الصخرة.

يكتب "تمر من تحت هذه المئذنة طريق القوافل العظيمة التي تمتد من القاهرة إلى دمشق، وهي الطريق التي تعبر عليها جميع التجارة البرية بين مصر وبلاد فارس على ظهور الجمال. وعلى الرغم من أهمية هذه الطريق، إلا أنها غير ممهدة ولا مرصوفة. فالطرق العظيمة يتم إنشاؤها عادة في عهود السلم.

كان اليونان والرومان هم الذين شقوا الطرق الكبيرة الممهدة، ولكن في سورية ما زال الناس يفكرون بعقلية البداوة. ذات يوم قال ثريا باشا: ولماذا نمهد الأرض الصخرية الوعرة من يافا إلى القدس؟ أمن أجل أن يرسل الروس مدافعهم الثقيلة إلى القدس؟

أما الحصان فيعتبر هنا آلة حرب وليس حيوان نقل. هنا ترى الرجال يركبون على الحمير والباشوات على البغال. ذات يوم التقيت بالسير عسكر في دمشق وهو يركب بغلا في البادية، وإبراهيم باشا قائد الخيالة المندفع قطع المسافات من القاهرة إلى قونية على ظهر حمار.

في الرملة ترتدي النساء السراويل، مثلهن في ذلك مثل النساء في جميع أنحاء سورية، أما الرجال فيرتدون الثوب الطويل".


المرور عبر اللطرون

لم يكن دكسون مجرد رحالة هاو، لقد علمته التجارب السابقة التي خاضها في أكثر من منطقة في الشرق، أنه لا بد من الاحتياط والحذر والاستعداد الجيد على المستوى اللوجيستيكي. ولذلك كان لا بد أن يحمل معه سلاحه الناري، وهو مستعد لأن يستخرجه بسرعة ويوجهه إلى أول قاطع طريق يحاول أن يعترض طريقه، وإلا فإنه سيكون هالكا، أو مسلوبا في أحسن الحالات.

وبالفعل هذا ما سيحدث له وللقافلة التي هو ضمنها، المتوجهة من الرملة إلى القدس عبر اللطرون، حين داهمتهم على حين غرة جماعة فرسان، يكتب "عندما غادرنا الرملة من بوابتها الشرقية، كانت الكلاب بموسيقاها الوحشية في وداعنا كما كانت في استقبالنا. ومضينا نستنشق نسيم الليل البارد المنعش حتى وصلنا إلى القباب. كان يعقوب يسير في المقدمة. وعلى حين غرة صرخ: خيالة! وضعنا أيدينا على مسدساتنا وأخذنا نترقب، ولم نلبث حتى شاهدنا خمسة خيالة يطلون علينا وهم يرفعون رماحهم الطويلة. وتبادلنا الأسئلة والأجوبة، فعرفنا أنهم من بدو العنزة، وأنهم في طريقهم إلى غزة. أخبرونا بأن الخليل ثائرة ضد الحكومة وأن جميع القبائل وراء الأردن تحمل سلاحها كذلك ضد الحكومة".

هذا هو الوضع العام الذي كانت عليه فلسطين في تلك الفترة وعلاقة القبائل بالسلطة العثمانية التي كانت تشرف إداريا على تسيير القدس والمدن الأخرى، لكنها في الحقيقة لم تكن قادرة على بسط سيطرتها على كل فلسطين والأردن، بسبب تمرد القبائل ضدها وسعيها إلى فرض الأمر الواقع على الأتراك، الذين لم يقدموا شيئا إلى المنطقة، بل ساهموا في تكريس ظلم كبير ضد السكان، واستغلالهم وإثقالهم بالضرائب، ولذلك نشأت تلك الحركات المتمردة العفوية، التي كان من رموزها عقيلة وغيره من الفرسان الشجعان.

بعد ذلك سيتوجه دكسون برفقة القافلة إلى اللطرون، التي يعتبرها بفضل ما تتوفر عليه من تضاريس صعبة، منطقة مثالية للصوص وقطاع الطرق للاختباء، يكتب "كان هدفنا أن نتفادى المرور باللطرون، إذ قيل لنا إن أهلها ليسوا سوى عصابة من قساة اللصوص. لذلك سرنا بهدوء مع كتف التلة متجهين إلى وادي علي قبل أن يخرج القرويون برماحهم وبنادقهم ذات الفتيل. وصلنا إلى بناء ضخم قديم يطلق عليه العرب اسم دير أيوب، وفي باب الوادي كوخ لأحد الفلاحين يوفر للمسافرين مكان استراحة وفنجان قهوة وغليون دخان، بل يوفر أيضا كرسيا يجلس عليه المرء.

لهذا الكوخ جدار من الحجارة الغشيمة يحول دون دخول الذئاب والثعالب التي كثيرا ما تظهر في السهل. وهناك وجار مسقوف خاص بالنساء والأطفال. شاهدنا عددا من الأشخاص يفترشون الأرض، وكان هناك شخص يغلي القهوة، وآخر يصنع شراب الليمون. وأخذنا جرعة من الماء نروي بها ظمأنا، ولكن لم تفلح قروشنا ولا عباراتنا المعسولة في إقناع هؤلاء الفلاحين بأن يعطوا دلو ماء لفرسي (صابية) مع أن دموعها كانت تنهل حارة على صفحة وجهها من شدة الظمأ. قيل لنا إن البئر القريبة جف ماؤها، وأنهم يحملون الماء في القرب الجلدية من مسافة تستغرق ساعتين".

المساهمون