وقفة مع دنى غالي

28 يونيو 2018
الصورة
(دنى غالي، تصوير: هاين)

تقف هذه الزاوية، مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه.


■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟
- أراجع النسخة الأخيرة من ترجمة "هدم" وهي رواية دنماركية ستصدر قريباً عن دار المتوسط. رواية كبيرة ومهمة في رأيي، بذلت جهداً في سبيل إنجاز ترجمتها، لذلك يشغلني أمر صدورها، غلافها، استقبال القرّاء لها. فعل الترجمة غير مرئي عموماً، يُقال في هذه الحالة إنك سائق سيارة الإسعاف وليس الجرّاح.


■ ما هو آخر عمل صدر لك، وما هو عملك القادم؟
- "بطنها المأوى"، رواية مع هامش، في البطن روايتان يمكن قراءة كل منهما على حدة، لكل واحدة منها أسلوبها السردي وأجواؤها وتاريخها. استمتعت خلال فترة كتابتها رغم تركي لها أكثر من مرة: هناك رواية تجد طريقها بسهولة وأخرى وكأنها تتعمّد أن تجرّك معها إلى طرق وعرة. عن عملي القادم فقد بدأت حالياً بمشروع ترجمة جديد، فُرض الكتاب نفسه عليّ وغيّر من خططي لنصف السنة القادمة. ولكنه كتاب سيستوقف القارئ مثلما استوقفني، تحت تصنيف أدب الرثاء والحزن، ونحن بصدد شراء الحقوق.


■ هل أنت راضية عن إنتاجك ولماذا؟
- ليست المسألة مسألة رضا الآن بالنسبة لي، السؤال الأهم، ماذا فعلتْ كتاباتنا؟ أين نحن من الواقع الذي تعيشه مجتمعاتنا، هذا ما اضطرّني إلى التوقف والتفكير، إذن لا بد أن نكون واهمين، إن آمنّا بدورنا في إضافة شيء أو تغيير شيء. أهمية الأدب والفن والموسيقى التي تقترب من أهمية الخبز في الحياة لشريحة واسعة هنا في أوروبا ليس لها الأهمية ذاتها أو الدور ذاته لدينا في المجتمعات العربية. يبدو الواقع بائساً وبعيداً بعيداً جداً والهوة كبيرة.


■ لو قيّض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختارين؟
- أبتسم لأن السؤال ذكرّني بفقرة ترفيهية كنا نعدّها في برنامج حفلاتنا العائلية ونتسابق في إطلاق خيالاتنا المضحكة بشأنها، كانت حقيقة تحت عنوان "لو لم يكن فلان... لكان...". أنا كاتبة أشبه صاحبة "في الصيف ضيّعت اللبن" أدافع ببسالة وأيضاً بيأس عن خياري.


■ ما هو التغيير الذي تنتظرينه أو تريدينه في العالم؟
- صارت عندي حفيدة غيّرت عالمنا والبيئة أضحت شاغلنا. كيف نسلّمهم عالماً نظيفاً نقياً أخضر خالياً من الأمراض والملوثات! يفكر الكثير منا بأن الأجدر أن نجد حلولاً لوضعنا السياسي المتأزم، ولكن الكهرباء والماء والأرض النظيفة والهواء النقي كل ذلك من شأنه أن يدفع إلى تصحيح الكثير من المنحى السريالي للتدهور.


■ شخصية من الماضي تودّين لقاءها، ولماذا هي بالذات؟
- يخيّل إليّ لو وُجِّه السؤال إلى سورن كيركغارد، لقال بالحال لنتشبّث بالحاضر! لأن كل شيء يجرّ ويدفع إلى الماضي عندنا، نحن محكومون بتأجيل الحياة والاستنجاد بالماضي. أرى كيركغارد إنساناً حاصرته فكرة الماضي والحاضر، والإيمان والمراجعة. هو يقول إن الإيمان خيار وهو نقيض اليقين. لذا على الإنسان أن يُبقي على شكّه بينما يراجع أو يعيد تقييم خياره "الديني" طوال الوقت. يقول إن من خصائص الإنسان ليس أن يفكّر فقط، ولكن أن يراجع تفكيره على الدوام. أين انتهى؟ هذا ما كنت أود سؤاله.


■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعودين إليه دائماً؟
- حال مغادرتي لبلدي انقطعت صلتي بالكثير من أهلي وأصدقائي، ذلك يكون أحياناً خياراً أيضاً. ولم أعثر على سبيل المثال إلا على القليل من زملاء الدراسة، وقد فرحت جداً بذلك. أشعر أن زمناً طويلاً مرّ وخلّف الكثير وراءه. بين الحين والحين، أودُّ لقاء هؤلاء.


■ ماذا تقرئين الآن؟
- ليس غريباً أن يقبض نجيب محفوظ في سرده على الأزمة الوجودية التي تحاصر الإنسان في مرحلة ما من حياته، أعجبني أن في أعماله ما يتقاطع مع رواية "هدم" آنفة الذكر والتي قمت بترجمتها من الدنماركية وقد صدرت أوّل مرة في عام 1930. هذا الإنسان المترف الذي يعيش حياة مستقرة مضمونة لا يدري ما الذي يعتريه ليسلك سلوكاً غريباً ينحو إلى تدمير حياته عن عمد شيئاً فشيئاً. كي نجد هذا الإنسان ذاته في رواية "الشحاذ" والتي صدرت في عام 1965؟


■ ماذا تسمعين الآن، وهل تقترحين علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟
- لا يحضر الآن شيء ببالي صدقاً، ولكني من النوع الذي يعيد تكرار أسطوانة واحدة لأشهر وبالغالب تكون موسيقى من دون نص، كلاسيكية، وعلى الأكثر آلة صولو تعينني على التركيز. التشتت أحد أسوأ عوارض العصر في ظنّي.


بطاقة
كاتبة عراقية من مواليد البصرة عام 1963، مقيمة في كوبنهاغن منذ عام 1992. صدر لها في الرواية: "النقطة الأبعد"، و"عندما تستيقظ الرائحة"، و"منازل الوحشة"، و"بطنها المأوى". ولها في الشعر: "حديقة بعطر رجل"، و"تلك المراوح التي تلوح من بعيد"، إضافة إلى أعمال جمعت فيها نصوصاً، مثل: "حرب نامة" (أول إصدار في عام 1998)، و"اكتشافات متأخرة انتصارات صغيرة"، "السأم يتلوّن".