وزارة إعلام داعش.. منظومة الترويع الفني والحرب النفسية

وزارة إعلام داعش.. منظومة الترويع الفني والحرب النفسية

29 مارس 2015
الصورة
غلاف مجلة دابق وفي الاطار يظهر مخرج داعش(العربي الجديد)
+ الخط -
"باقية وتتمدد"، يقول أبو ميسرة العراقي، مسؤول الإعلام في تنظيم الدولة الإسلامية، ورئيسه أحمد أبو سمرة، الذي يعد بمثابة وزير إعلام داعش ومن خلفهما يردد الأعضاء والأنصار.
حرب ضد العالم الكافر، غرباً من أميركا، وشرقاً حتى اليابان، وما بينهما من طغاة، نحن قادمون، إنا نحب الموت، ربيعكم كذبة، الحقيقة الثابتة أن أبو بكر البغدادي خليفة، فلتقم القيامة أينما وجدتم يا أنصار الدولة، ستصلكم رسائلنا أينما كنتم، نملك ما لم يملكه غيرنا، لا قاعدة ولا يحزنون، الظواهري مهرطق، مكافأتك حين تنضم إلينا هي الشهادة.

هذه شعارات لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تعبر عن مفهومه العقائدي، يرصدها "العربي الجديد" ضمن تحقيق عن وزارة الإعلام الداعشية، نجح التنظيم في تكريس شعاراته وإنفاذ رسائله الإعلامية في مدّة تعتبر قياسية من خلال إعلام متماسك وغني بوسائل الاتصال، حتى الفيروسات المتطورة التي طوعها لخدمة أفكاره كما يوثق التحقيق.
في السطور التالية، نكشف ونوثق ماكينة الإعلام الداعشية والقائمين عليها.

تويتر

يرصد "العربي الجديد" امتلاك التنظيم لجيش إعلامي وإلكتروني للتغريد على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، بالإضافة إلى التنديد والتحريض كنوع من الحرب النفسية، متبعاً سياسة إعلامية تقوم على بث الرعب، وشبكة من المستخدمين الذين يغردون وتعاد تغريداتهم أوتوماتيكيّاً، مستخدماً خدعاً ماكرة في إرسال الإيميلات إلى البريد الإلكتروني المهمل (junk mail) عن طريق تطبيق يدعى "الفجر"، وهو من برمجة مهندسي معلوماتية تابعين للتنظيم، بمجرد تثبيت تطبيق ما على جهازك، مثل الداوونلود مانجر أو التورنت، يسيطر تطبيق "الفجر" الجهادي كما يراه منتسبو التنظيم على حسابك وينشر عدداً كبيراً من التغريدات والصور والهاشتاجات، وقد نجحت هذه العملية في أمريكا أكثر من مرة نظراً لشعبية تويتر التي تفوق فيسبوك هناك، حتى أن آخر فيروس من صنع تنظيم الدولة قام بإطلاق تغريدات، وصل عددها إلى أربعين ألف تغريدة في يوم واحد وهو رقم قياسي لم يسجل من قبل، ولكن غوغل حجبت التطبيق قبل فترة، كما يكشف مهندس أمن معلوماتي فرنسي يتابع ماكينة داعش الدعائية على تويتر لــ"العربي الجديد".

أما لجمهور المسلمين فتكون تغريدات داعش غالباً حول قدرتها على حكم المناطق التي تسيطر عليها وتسيير أمورها من خلال نشر صور تتراوح بين الترهيب والترغيب، فترى صوراً للأسواق ووفرة الخضار ومقومات العيش وإعلانات –غير مباشرة وذكية- حول استتباب أمن الدولة وتنظيم رحلات سياحية وتوزيع المساعدات المالية، وترى في نفس الوقت صور إعدامات لأشخاص متهمين بارتكابهم جرائم مختلفة، كما رصدت "العربي الجديد" محتوى التغريدات على مدى 10 أشهر كاملة من بعد سيطرتها على الموصل.

هوليوود

فيديوهات عالية الدقة (HD)، متحدثين بعدة لغات، التنظيم يقول في تغريداته وفيديوهاته "نحن نريد من النائمين أن يصحو على أصواتنا ويفهموا أهدافنا الأخلاقية جيدّاً"، تتميز فيديوهات تنظيم الدولة بسيناريو محبوك ومخيف ستكون النهاية على عكس ما يمكن أن تتوقع، يقدمها الناطق البريطاني ذو الصوت الغامض، في محاولة للوصول إلى أعماق العقل، ويشارك في الإعداد والتنفيذ خبراء أوربيون عاشوا تجربتهم في كيفية مخاطبة العقل الغربي حتى تحسب أن أشرطتهم تبث مواد مقنعة للدعوة إلى التجنيد وشبه رسمية من منطلق العقلية الغربية.
أهلا بك في عالم الغرافيك، كما لم تشاهده من قبل، وأهلا بك إلى خبراء المونتاج من كل أصقاع العالم، قد يبلغ راتب أحدهم 1500 دولار أمريكي، ويبلغ راتب المونتير (محرر الفيديو الذي يقوم بعمليات المونتاج) 1000 دولار، ولدى داعش أكثر من 35 موظفاً من هؤلاء الفنيين فقط، حسب ناشط إعلامي خرج أخيراً من الرقة.

يقول مختص الغرافيك، موسى الشيخ محمد، والذي يعمل في شركة إنتاج فرنسية لـ"لعربي الجديد": "مؤكد أن لدى التنظيم كاميرا عالية الدقة (كلير) يعتقد أنها من نوع (red) وتحتوي (dslr) وهي كاميرا تصوير سينمائي، لا يوجد منها في الوطن العربي سوى اثنتين تعتمد على تركيز الضوء الصادر من المشهد المراد تصويره بواسطة عدسات على حساس الكاميرا وتصور المشاهد المتحركة بوضوح ودقة عاليتين وتحتاج حرفيين حقيقيين للتعامل معها".

وحول الفيلم الذي نشره التنظيم والذي أظهر إعدام عناصر من قوات الأسد يقول الشيخ: "صنعه يستغرق ما بين ثلاثة أيام إلى أسبوع، فما بالك بفيديو إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة الذي احتوى مشاهد انتقالية تحتاج إلى طبقتي تحرير بين مشاهد النقل السريعة، فمثلاً نهاية المشهد الثاني تشترك مع بداية المشهد الثالث خلال زمن مقداره 0.1 ثانية، وهذا هو نفسه تماماً الزمن الذي سوف يستخدمه المؤثر الانتقالي في الانتقال من المشهد الثاني إلى المشهد الثالث على نحو متسارع، وهذا أمر يستدعي صبراً ودقة كبيرين ويتجنبه الفنيون عادة لصعوبة تنفيذه، ناهيك عن ضبط الإيقاع الرائع بين الصورة والصوت، والمؤثرات المرئية البعيدة عن (البروجكتات الجاهزة) التي تعتمدها 85 في المئة من القنوات التلفزيونية على النايل سات، أما في أفلام التنظيم فتتم صناعتها -أي مشاهد الغرافيك- عبر برنامج (مايا) و(الفاينال كات) وتخيل عدد الأزرار والواجهات التي ستظهر لك على شاشة الكمبيوتر، وحجم الوقت الذي تستغرقه، ما يؤكد لنا أن لدى التنظيم حرفيي غرافيك من أفضل خبراء العالم.

ما يؤكد امتلاك داعش لحرفيي صناعة أفلام هوليوودية هو ما قاله لنا الممثل والفنان السوري جلال الطويل، والذي يؤكد أن الفيديو المصور هو فيديو محترف واعتمد على مصورين محترفين، وهناك من وجه الطيار دراميا باتجاه حبكة مقصودة تظهر ندم الطيار على قصفه للمكان، لا نعرف حقيقة إذا كانت داعش أعطت الطيار عقاراً مخدراً أم لا ليقوم بذلك ومن جانب آخر يظهر التصوير والمونتاج رسالة تفيد بعدل وقوة عناصر داعش.
أما الأهم -يتابع الفنان السوري- لـ"العربي الجديد": "هو أسلوب التشويق والحبكة، فإذا اعتبرنا أنه "فيلم" وأنا لا أعتبره كذلك فهو يستوفي شروط الفيلم الهوليوودي، أي أن هناك سيناريو وحبكة ونقطة تحول أولى وثانية وختاماً بذروة.

وللعلم فإن التنظيم كان قد أنتج فيلماً قصيراً تحت اسم (فتح بغداد وصليل الصوارم) استعان فيه بمؤثّرات من فيلم Kingdom of Heaven، مركزاً على لقطات لشخصية صلاح الدين الأيوبي كأنّه البغدادي.

أكثر من ذلك صدم تنظيم الدولة الإسلامية العالم، بعرض فيديو تم تصويره جواً بواسطة طائرة بدون طيار لمدينة عين العرب كوباني، بما يمكن القول، إن فيديوهات الدولة الإسلامية تجذب الجميع، مناصرين وأعداء.

ولكن يبقى هناك من يرى أن فيديوهات التنظيم لا يمكن تصنيفها كأفلام، بل يمكن إدراجها في سياق "الكليبات" أو "التريلرات" لأن سياقها ومضمونها مصنوع ومفبرك، ولعل من السهل بمكان صنع فيلم هوليوودي بلغة الكاميرا ودقة الصورة فقط.

مجلة دابق

تُوزع في العراق، وستوزع قريباً داخل سوريا، وتصدر باللغتين الإنجليزية والفرنسية، تطور محتوى أعدادها ابتداء من عددها الأول الذي يتحدث عن بناء الدولة الإسلامية من الداخل وحتى أعدادها الباقية، التي تتحدث عن الحرب العالمية والمؤامرة التي تحاك ضدها، وتنشر مقالات رأي لمثقفين عرب وأجانب منتمين للتنظيم وتعتبر من الإنتاجات الفكرية الثقيلة، تناقش الفكر الإسلامي المتشدد، وتخاطب المجتمع الغربي بعقليته، وتتحدث عن انهيار الإمبراطورية الأمريكية بسبب غباء قادتها، ولا تنسى المطبوعة تناول التحليلات الاقتصادية بواسطة خبراء اقتصاد.
يرى الكاتب السوري، علي سفر، والذي يحتل داعش أكثر من 25% من أراضي بلاده، أن ما ينشره داعش في مجلته "دابق" ليس ثقافة ضمن المفهوم الرائج للثقافة ويتحدث لـ"العربي الجديد": "هذه ثقافة "الإسلام المتشدد" في أسوإ تجلياتها، ثقافة تقوم على تكفير المخالفين وإباحة دمهم من خلال منظومة فكرية كاملة".

ومن بين المنشورات التي رصدناها في مجلة (دابق) على مدى ستة أعداد مقال بعنوان "التبصر في الدولة الإسلامية" وهو يربط الاستراتيجية التنظيمية للدولة مع ما يصل من أخبار الانتصارات، أيضاً (من الهجرة إلى الخلافة، الدولة الإسلامية في إعلام العدو)، (إن الله آمرنا بخمسة أشياء منها الجهاد)، EMAINING AND EXPANDING (باقية وتتمدد)، (الإمامة السياسية، حكمة).

إذاعة وتلفزيون

أطلق تنظيم الدولة إذاعة "البيان" في العراق وسورية، مخاطباً جمهوره المحلي بخطب "الخليفة" البغدادي ونشرات إخبارية تتضمن الأخبار المحلية لانتصارات التنظيم والأخبار العالمية المتعلقة بالحرب ضده.
أطلق أيضاً قناة تلفزيونية باسم "قناة الخلافة"، تبث عبر شبكة الإنترنت برنامج "وقت التجنيد" وتضع إعلاناً، إن البث المباشر، قريباً.

الهاكرز

من المؤكد يقول خبراء، إن هناك جيشاً إلكترونيّاً مخيفاً يحمي حسابات التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي من الإغلاق والاختراق، ويدير حساباتهم البنكية ويجمع التبرعات ويلاحق الناشطين، ويعلن في أبعد نقطة من العالم انتصار التنظيم في معارك كوباني دون أن يتحقق ذلك على الأرض.

ويبدو، أيضاً، أن هؤلاء الجنود الإلكترونيين والذين لا يقلون أهمية عن العسكريين، قد تدربوا بشكل جيد جدّاً، ولديهم عالمهم من المعرفة والخبرة الإلكترونية التي خولتهم خوض حروب شرسة لا تقل شراسة عن تلك التي تديرها المدافع والرشاشات فنجحوا في التصدي -حتى الآن- لكل محاولات الهاكرز العالمي، التي تسعى للحد من نشاطات التنظيم الإعلامية، حسب ما كشفت تقارير صحافية غربية.



حملة لأنسنة جنود داعش

تتلخص هذه الحملة في مشاهد من زيارة جنود من تنظيم الدولة لزملائهم الجرحى في المشفى، ولا ينسى المصور إظهار الراحة التي يتمتع بها جرحى التنظيم. شريط فيديو يصور مقاتلي داعش يوزعون الحلوى والآيس كريم على الأطفال الذين يبتسمون للعناصر، تصوير معاملة الجنود للقطط، مما دعا أحد المواقع البريطانية إلى القول إنها "دولة القطط"، رش المال من على أسطح البنايات في الرقة بعد تحرير أحد مطارات المدينة (مطار الطبقة)، تنظيم وتصوير وعرض مسابقات للأطفال والكهّل في (حلب والرقة)، ناهيك عن المقالات التي تنشرها مطبوعة دابق عن صحة ممارسات التنظيم الشرعية، وتغريدات تويتر التي تحمل عناوين بوعود إرساء العدل وقرب النصر على أيدي "المجاهدين".

أخيراً وضع تنظيم "الدولة "أكشاكاً" إعلامية سمّاها "نقاط إعلامية" منتشرة في شوارع المناطق التي يسيطر عليها، توزع فيها إصدارات التنظيم مجاناً كبديل من الإعلام العالمي الذي يعتبره التنظيم مضللاً، وتتضمن هذه الأكشاك على سبيل المثال أقراصاً مضغوطة وجرائد تحوي إنجازات التنظيم، وآخر أخبار انتصاراته الميدانية، وتوزع مجاناً!.
فمن يقود إعلام داعش ولماذا يصرّ التنظيم على إيصال رسالته وما هي أهدافه الإعلامية التي حقق بعضاً منها ويحاول تحقيق بعضها الآخر؟

القيادي الأول أحمد أبو سمرة

ذكر اسم أحمد أبو سمرة لأول مرة بعد نشره من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي في نوفمبر من عام 2009، اليوم هو مسؤول عن قسم مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم الدّولة، أبو سمرة الذي يبلغ من العمر 33 عاماً من مواليد فرنسا وأمريكي النشأة ومزدوج الجنسية، فهو يحمل الجنسيتين الأمريكية والسورية ويبرع في استخدام التكنولوجيا المعاصرة، وهو يعمل في العراق.

القيادي الثاني أبو الأثير عمر العبسي

يدير مركز الفجر ومؤسسة الفرقان للإعلام التابعتين لتنظيم الدولة ويدير مهامه من العراق.

القيادي الثالث أبو ميسرة العراقي

ويقوم بإصدار البيانات والنشرات والأشرطة المرئية والمسموعة ويعتبر بمثابة مخرج الفيديوهات الاحترافية للتنظيم ويعمل في سوريا.

بعض أسماء مصوري داعش ومخرجي أفلامها
نيرو سرايفا

ويعتقد أنه رئيس الفريق الإخراجي، وهو برتغالي الأصل، سافر إلى سورية عام 2012، حسب تحقيق صحافي لـ (الصندي تايمز)، علاقة نيرو بتصوير أفلام التنظيم تكاد تكون أكيدة بعد تغريدته على تويتر التي أكد فيها موعد إعدام الأمريكي جيمس فولي قائلاً: "ستصور الدولة الإسلامية فيلماً جديداً".

فابيو بوكاس

عمره 22 عاماً فقط، انتقل من لشبونة إلى لندن عام 2012 رغبة منه بأن يُصبح لاعب كرة قدم مُحترفاً.
تقول الصحيفة البريطانية، إنه ترعرع في أكاديمية النادي البرتغالي العريق، سبورتينغ لشبونة، وهي ذات الأكاديمية التي ترعرع فيها أفضل لاعب لهذا العام في العالم، كريستيانو رونالدو، ثم فجأة شوهد وبجانبه أسلحة وأعلام داعش وغير اسمه إلى عبد الرحمن الأندلسي ثم غرّد على التويتر: "الحرب المقدسة هي الحل الوحيد للإنسانية".

نظرية المؤامرة

تحرر داعش من جميع القوانين الدولية، بما فيها مواثيق التحرير والبث والشرف والأخلاقيات المهنية، حتى أن أكاديميّاً إيطاليّاً أكد لصحيفة الجارديان البريطانية، أن متابعي تغريدات داعش على تويتر في بلجيكا وبريطانيا والولايات المتحدة أكبر من متابعيه في سورية والعراق، وفصل الأكاديمي قوله بإن 24 في المئة من المنشورات التي ينتجها التنظيم لقيت تجاوباً في المملكة المتحدة، و21 في المئة منها لقيت تجاوباً من الجمهور المستهدف في الولايات المتحدة، و31 في المئة في بلجيكا.

كما أن الإعلام العربي متورط من حيث لا يدري في الترويج للتنظيم عندما ينقل ما يريده من بروباغندا دعائية لممارساته، كما يقول الصحافي والكاتب السوري، جوان سوز، من عين العرب/كوباني على السورية التركية لـ"العربي الجديد". مضيفاً: "لعبت العديد من وسائل الإعلام العربية دوراً في الترويج لتنظيم الدولة سواءً عن طريق اهتمامه الكبير بأخبار التنظيم أو استغلال أفعال وإجرام التنظيم لمحاربة جهة أخرى، أو مقارنة أعماله بإجرام نظام الأسد، كي تقلل من مدى وحشية الطرف الأول".

مكاسب إعلامية

إذن وصل تنظيم الدولة إلى الرأي العام العالمي وروج لما يريده من أيديولوجيات استعرض فيها قوته وقدرته ونجح في نفخها وتفخيمها حتى أخاف أعداءه من جيوش وحكومات، أظهرها عاجزة عن حماية مواطنيها، وضمن تأييد جمهوره حين ظهر كالدولة التي تستطيع حماية المواطن وتأمين سبل عيشه، كما جند الشباب من أقاصي الأرض وجمع التبرعات وكرس ما يريد من شعارات، فأصبح شعار "باقية وتتمدد" ملازماً لاسم "دولة الخلافة" بين مناصريها، واتبع سياسة إعلامية تقوم على أساس التخويف والترهيب، لـ"لمنافقين" من المسلمين ولـ"كفار" الغرب على حد سواء، حتى أن نشيد التنظيم "صليل الصوارم" نجح في اختراق الوعي الجمعي العربي، وتم ترديده بين مختلف فئات الجمهور العربي إلى أن وصل إلى غنائه في الأفراح في القاهرة، كما يظهر فيديو شهير استحوذ على اهتمام وسائل الإعلام العربية والعالمية أخيراً.
غالباً ما يهرب أعداء داعش قبل بدء المواجهة ما السبب؟ إنها قوة ماكينته الإعلامية وترهيبها الفعّال، فالتنظيم يعي تماماً أهمية الإعلام في تحقيق أهدافه وانتصاراته، لذلك عمل جاهداً ومجهداً على التواصل مع الجمهور عبر ماكينته الإعلامية.

"العربي الجديد" التقت الصحافي والباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، رأفت الغانم، في باريس والذي أكد تفوق داعش على النصرة والقاعدة في جذب "المجاهدين" إذ وجه التنظيم خطابات محددة إلى جمهور محدد بدقة.

ويذهب الصحافي والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، رأفت الغانم، إلى القول: "إن أراد داعش أن يوجه خطابه للتونسيين نجد أن المتحدث تونسي، يتحدث عن هموم الشباب التونسي. وإن أراد أن يخاطب المسلمين في فرنسا نجد أن المتحدث فرنسي، يتحدث عن مشاكل الجالية المسلمة في فرنسا، على سبيل المثال في آخر خطاب لداعش وجه باللغة الفرنسية لمسلمي فرنسا، لم يتطرق مثلاً للقضية الفلسطينية إنما اكتفى بالتحدث عما يحدث في أفريقيا من ظلم للمسلمين".

أسباب النجاح

يقول خبراء، إن داعش استفاد من تجربة القاعدة الفاشلة، فهاجر عناصره من المنتديات إلى آخر صيحات التكنولوجيا ووسائل الاتصال المجتمعي، وقد تطورت هذه الاستراتيجية حتى استطاعت الوصول إلى كل بيت في أمريكا.
وللصحافي الخبير في شؤون الجماعات المتشددة، رأفت الغانم، رأي إذ يقول: إن "تجربة القاعدة لم تكن فاشلة بالمطلق، لكنها كانت ابنة تلك المرحلة؛ لاحقاً ومع الإنترنت دخل إعلام الجهاديين مرحلة جديدة، وأصبحوا قادرين على إيصال رسالتهم مباشرة للجميع، للمهتم أو غير المهتم، للمؤيد أو المعارض، ولم يكن لدى قنوات الجهاديين التابعة للقاعدة اهتمام بتبرير وجهة نظرها أو تقديم مبررات لما تقوم به على عكس داعش.

ويبدو إن الفارق الآن هو أن داعش لم يعد يعتمد على الوسطاء لبث أفكاره بين شباب الغرب، إذ يمكن لذراعه الإعلامية رفع دعايتها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتنتشر على مستوى العالم في غضون دقائق.

وإذا كان هدف الإعلام هو التأثير على الجمهور للضغط على الحكومات، فهذا ما يعرفه داعش جيداً؛ حين غرد رسالة إلى الشعب الأمريكي معلناً العداء ومهدداً بالرد في حال قيام أمريكا بتشكيل تحالف لضرب التنظيم، وكاد ينجح في تقليب الرأي العام الأمريكي على حرب ليست حربهم – مثلاً خرجت مظاهرة في فبراير/ شباط 2015 في أميركا مناهضة للحرب -ما دعا منسق التحالف الدولي الجنرال، جون آلن، يومها؛ إلى صياغة خطط عمل تقضي على ماكينة داعش الإعلامية في الفضاء الإلكتروني بشكل مباشر وسريع، وهذا ما لم يستطع فعله حتى الآن.

إعلام الربيع العربي وإعلام داعش (سورية على سبيل المثال)

ربما تفسر قوة المؤسسة الإعلامية لداعش إلى جانب العسكرية بأن هذه البروباغندا تقف وراءها دول غنية ومانحة، ترغب في إيصال رسالة داعش إلى العالم، فيما أقفلت العديد من المؤسسات الإعلامية الثورية السورية المعتدلة في ظل ازدهار إعلام التنظيم، كما يقول صحافيون سوريون عملوا مؤسسات إعلامية ثورية.
أما رأفت الغانم فيرى أن داعش تأثر بالإعلام الثوري واستغل حالته ويفند ذلك: "مع دخول الثورة السورية في مضمار الإعلام والتنافس الشديد بينها وبين إعلام النظام، ظهرت العديد من الأفلام التي تسلط الضوء على إجرام الأسد، وشهدت حالة إعلامية متطورة، وهو ما انعكس على داعش في سورية، فتجد أن أشرطتها أكثر إحكاماً وأن شقها السوري معني بالإعلام بشكل أكبر من العراقي، وغالبية المقاطع التي أثارت جدلاً واسعاً تم تصويرها في سورية بواسطة طاقم احترافي تشي كل التحليلات بأنه قادم من أوروبا".

أما الصحافي السوري الكردي، جوان سوز، فيقول لـ"العربي الجديد": "بكل تأكيد أن تنظيم داعش اعتمد على كوادر أكاديمية، في حين أن أغلب المؤسسات الإعلامية السورية الثورية تعتمد على الناشطين الإعلاميين أو المواطنين الصحافيين، وهذا ليس الخطأ الوحيد، فهناك ناشطون يتفوقون بجودة موادهم الإعلامية على الأكاديميين، لكن طامّة إعلام الثورة كان التمويل الخارجي، وبالتالي كان الهدف الرئيس إما الحصول على التمويل أو تنفيذ أجندات معينة بطريقة إعلامية على العكس تماماً مما يفعله تنظيم الدولة، فهو متمسك في بنيته من كافة الأطر السياسية والعسكرية والإعلامية، يؤسفني القول: "إن تنظيم الدولة الإرهابي موحّد أكثر من السوريين أنفسهم".

يبقى أن نذكر في هذا الشق أن تنظيم داعش يحتلّ كافة المكاتب الإعلامية، ويعتقل الناشطين والإعلاميين الذين يعملون لصالح الثورة السورية وضد نظام الأسد بدعوى أنهم عملاء للغرب، كما ويصادر أدواتهم الصحافية في كل منطقة يسيطر عليها في سورية.

دلالات