ه. ت. نوريس... حياة مع التاريخ الثقافي للعرب والمسلمين

25 ابريل 2020
الصورة
(مكتبة "كلّية الدراسات الأفريقية والشرقية"، شتاء 2019)

في كانون الثاني/ يناير الماضي، أصدرت "دار بريل" المعروفة في أوروبا في مجال الدراسات العربية والإسلامية إصدارها الجديد "كتابات عربية تاريخية من غدامس ومالي - وثائق من القرون 18-20" للباحث البريطاني هاري. ت. نوريس H. T. Norris، أستاذ الشرف في "كلّية الدراسات الأفريقية والشرقية" في جامعة لندن، والذي رحل قبل أسابيع قليلة من صدور الكتاب.

في هذا الكتاب الجديد - الأخير لنوريس (1926 - 2019)، والذي صدر ضمن سلسلة "الإسلام في أفريقيا"، يتابع المؤلّف شغفه القديم بالحفر في تاريخ وثقافة الأمازيغ والعرب في الصحراء الغربية، واختار هذه المرّة أن يركّز على غدامس "لؤلؤة الصحراء" (600 كلم جنوب طرابس) عند نقطة التقاء الحدود الليبية التونسية الجزائرية الحالية، و"مدينة القوافل" كما اشتهرت في التاريخ منذ الألف الأولى قبل الميلاد، عندما سيطر عليها القرطاجيّون ثم الرومان وصولاً إلى فتح عقبة بن نافع لها في 44 هـ /667 م، واستمرّت في دورها التجاري بين شمال وجنوب الصحراء الكبرى.

في هذه الإطلالة العلمية الأخيرة لنوريس، لدينا جديد للقارئ العربي والأوربي يتمثّل في التعريف بأربعة مصادر عن تاريخ المنطقة تمتدّ من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين، وهي تشمل الجانبين التاريخي والثقافي، من خلال التعريف بعلماء المنطقة ونتاجهم العلمي.

أمّا المصدر الأوّل فهو سيرة حياة العالم عبد الله بن بكر الغدامسي (1626 - 1719) لمؤلّفها ابن مهلهل الغدامسي من القرن الثامن عشر، بينما المصدر الثاني يتناول تاريخ تدمُكا؛ الموطن الأصلي لقبيلة "كل السوق" الأمازيغية التي تمتدّ حتى مالي. ويشتمل المصدر الثالث على مخطوط "تاريخ شعوب الصحراء" لمؤلّفه محمد تاوجاو الذي يستعرض قبيلة "كل السوق" وصلاتها التاريخية مع المغرب وغرب أفريقيا، بينما يشتمل القسم الرابع على مقاطع من كتاب "غدامس ملامح وصور" لبشير قاسم يوشع.

برحيل هاري نوريس، بعد حياة مديدة قضاها في البحث، تخسر الأوساط المعنيّة بالدراسات الشرقية في البلقان والغرب أحد الباحثين المتميّزين بإخلاصهم للموضوعات التي اشتغلوا عليها والذي تجوّل لأجلها في مناطق مختلفة تمتدّ من حوض البلطيق إلى غرب أفريقيا مروراً بالبلقان، ساعدته في ذلك معرفته للغات الشرقية والأوروبية بعد تخرّجه من كلّية "كينغ" بجامعة أوكسفورد؛ فقد عُرف نوريس، أستاذُ الدراسات الشرق أوسطية في "كلية الدراسات الشرقية والأفريقية" في جامعة لندن (1952 - 1995) والزميل المشارك في "كلية الدراسات السلافية والأوروبية الشرقية" في الجامعة ذاتها، باهتماماته الواسعة التي تدرّجت زمنياً وجغرافياً خلال العقود الستّة الأخيرة.

في بداياته، اهتمّ نوريس بتاريخ شمال أفريقيا وأفريقيا الغربية (النيجر وجوارها)، سواء ما يتعلّق بالفتح العربي والعلاقات بين العرب والبربر والإسلام الصوفي - الشعبي هناك، فأصدر عام 1972 كتابه "أسطورة وملحمة صحراوية"، وتابع أبحاثه في تاريخ وتراث المنطقة، ليُصدر عام 1982 كتابيه المرجعيّين "البربر في الأدب العربي" و"الفتح العربي للصحراء الغربية"، بينما أصدر عام 1990 كتابه "الصوفيه في صحراء النيجر".

وفي غضون ذلك، اهتمّ بالشعر العربي البطولي والسيَر الشعبية التي أدرك مبكّراً أهميتها كمصدر للتاريخ الثقافي الشعبي، فأصدر في 1980 كتابه "مغامرات عنترة"، وهو ما فتح الباب لمزيد من الإصدرات في هذا المجال؛ حيث كتب مقدّمةً لسيرة سيف بن ذي يزن التي صدرت عن "مشروع بروتا" في 1996 بترجمة لينا الجيوسي.

وحين تنبّأ المستشرق الصربي- الفرنسي ألكسندر بوبوفيتش في كتابه "الإسلام في البلقان: مسلمو أوروبا الجنوبية الشرقية في مرحلة ما بعد الحكم العثماني" (1986) بمستقبل واعد لهم، تنبّه نوريس إلى ظهور أصوات ونزعات جديدة مقلقة تهدّد وجود المسلمين هناك، فاهتمّ بالمسلمين في البلقان الذي جال فيه ليتعرّف أكثر على تاريخ ومجتمعات وثقافة المسلمين هناك وعلاقتهم مع الشرق العربي، وأصدر عام 1993 كتابه "المرجعي "الإسلام في البلقان: الدين والمجتمع في أوربا والعالم العربي"، الذي تُرجِم إلى العربية وصدر في القاهرة عام 1998 عن "المشروع القومي للترجمة" بترجمة عبد الوهاب علوب ومراجعة محمد خليفة حسن.

في هذا الكتاب بالذات، فتح نوريس الآفاق لمزيد من الحفريات والدراسات في العلاقات العربية البلقانية، حيث عاد إلى جذور العلاقات بين العرب وبيزنطة والسلاف ومحاولات العرب المسلمين لفتح بعض موانئ البلقان، ثم الحكم العثماني الذي دام حوالي 500 سنة وما تركه من مؤثّرات في أدب المسلمين في البوسنة ومقدونيا وألبانيا، واهتمّ بشكل خاص بانتشار الطرق الصوفية في البلقان (البكتاشية والقادرية والنقشبندية وغيرها)، وعّرف بأهمّ الشعراء الصوفيّين، وصولاً إلى وجود ودور مسلمي البلقان في بلدان شمال أفريقيا (الجزائر وتونس وليبيا ومصر).

ومع انتهاء حروب يوغسلافيا السابقة (1991 - 1999) واستقرار وضع المسلمين في البلقان، وسّع نوريس من اهتماماته لتشمل بدايات وجود المسلمين في أوربا الشرقية (التتار)، وأصدر عام 2009 كتابه المرجعي "الإسلام في حوض البلطيق: الجماعة المسلمة الأولى"، الذي كان نتيجة جولاته الميدانية المتعدّدة.

ومن ناحية أخرى، اهتمّ نوريس أيضاً بالإسلام الصوفي أو الشعبي في المجتمعات المسلمة الممتدّة من النيجر إلى حوض البلطيق، وأصدر عام 2011 كتابه القيّم "الصوفية الشعبية في أوروبا الشرقية: الطرق الصوفية والحوار مع المسيحية والجماعات المنشقّة".

مع رحيل نوريس، تخسر الأوساط البلقانية والشرقية آخر رموز المستشرقين الكبار الذي عُرفوا بتعدّدية اللغات والثقافات والاهتمامات والجولات الميدانية، وقد كان لي شرف التواصل معه بالرسائل (قبل الإنترنت) والتعاون في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي؛ حيث كان مثالاً للعالم المتواضع.

وأذكر أنني كنت في القاهرة عام 2000، وسُرِرت حين شاهدتُ نسخةً من كتابه المرجعي "الإسلام في البلقان"، مترجَماً إلى العربية من قبل المشروع القومي للترجمة في 1998، فكتبتُ له من هناك مهنّئاً بصدور هذا الكتاب (مع ما فيه من أخطاء في الترجمة)، ولكن جوابه كان مفاجئاً، لأنه لم يكن يعرف بصدور هذا الكتاب بالعربية، وتساءل عن كيف يمكن للعرب الذين يقدّرهم أن يصدروا كتابه دون إعلامه بذلك، ومع ذلك اكتفى بطلب نسخة منه، وهو ما استطعتُ فعله.


* كاتب وأكاديمي كوسوفي سوري


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رحيل بلا صور

رغم قيمة ه. ت. نوريس في حقله المعرفي، فإن رحيله كان صامتاً تماماً سوى من إشارة صغيرة في طبعة كتابه الأخير. كصديق للثقافة العربية لم تكتب كلمة عن رحيله. بحثنا عن صورة له فلم نعثر على أية صورة رغم محاولات عديدة واتصالنا ببعض زملائه في "كلّية الدراسات الأفريقية والشرقية" (درّس فيها بين 1952 و1995). في عصر الصورة الذي يقصفنا بصور رموز التفاهة، تغيب وجوه القيمة، تغيب إلى درجة عدم العثور على صورة واحدة.

دلالات