هولاند في بيروت: الأمن واللاجئون على حساب الرئاسة

16 ابريل 2016
+ الخط -
بدأ الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، اليوم السبت، زيارة رسمية إلى العاصمة اللبنانية، بيروت، تمتد ليومين، وهي المحطة الأولى ضمن جولة له في المنطقة يفترض أن تشمل مصر والأردن.

ويزور هولاند لبنان في ظل الفراغ المستمر في الرئاسة الأولى، منذ مايو/أيار 2014، وهو الذي أجّل زيارته إلى البلاد في الفترة السابقة مراراً لهذا السبب، وهذا ما يطرح سؤالاً أساسياً عما تغيّر، ليزور الرئيس الفرنسي دولة لا يوجد رئيس فيها يستقبله؟

تشير مصادر رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية اللبنانية، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى كون الزيارة "تأتي كخطوة غربية جديدة للتأكيد على الاهتمام الدولي في لبنان وعدم وضعه على هامش الأزمات في المنطقة".

فلا يفصل المعنيون في الخارجية اللبنانية، زيارة هولاند عن النشاط الدبلوماسي الذي تشهده بيروت منذ ثلاثة أسابيع، والذي تخلّلته زيارة كل من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، فيديريكا موغريني، اللذين زارا بيروت نهاية شهر مارس/آذار الماضي، فضلاً عن الزيارات المتتالية لمسؤولين أوروبيين، من رؤساء حكومات إلى وزراء خارجية ودفاع، وأهم تلك الزيارات هي التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني إلى بيروت في سبتمبر/أيلول الماضي.

في غضون ذلك، تؤكد مصادر سياسية لبنانية على أن هولاند لا يحمل أي جديد في ملف الرئاسة. فالدعم الذي قدمه هولاند لترشيح رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، لم يؤد الدور المطلوب منه في دفع نواب حزب الله وتكتل التغيير والإصلاح، للمشاركة في جلسات مجلس النواب وتأمين النصاب القانوني لانتخاب الرئيس. الأمر الذي أظهر أن حجم التأثير الفرنسي في لبنان في تراجع كبير.

ومنذ عقد من الزمن، لم يتمكّن الفرنسيون من فرض أي شيء على الساحة اللبنانية أو الدفع باتجاه الحلحلة الجدية للأزمات المتلاحقة التي يمرّ بها. مع العلم أنّ الفرنسيين حاولوا العمل على حلّ موضوع الرئاسة من بدء الشغور في مايو/أيار 2014، وذلك من خلال جولات مكّوكية قام بها مساعد وزير الخارجية الفرنسية لشؤون الشرق الأوسط، جان فرانسوا جيرو، بين بيروت والرياض وطهران، من دون أن يكون لهذه الحركة أي نتائج تذكر. ​

في السياق، لا يبدو أن الرئيس الفرنسي يحمل أي جديد في ملف الهبة العسكرية السعودية التي تم تجميدها أخيراً. وبحسب معطيات، فإن المصانع الفرنسية مستمرة في إنتاج الأسلحة التي اتفق عليها ضمن الهبة، خصوصاً وأن مصادر سعودية أكدت مراراً لـ"العربي الجديد"، أن الجانب السعودي ملتزم بالجدول الزمني للدفعات المالية، وأن السلاح سيؤول إلى الجيش السعودي. وهناك ربط سعودي، وإن غير علني، بين انتخاب رئيس للجمهورية وإعادة تفعيل الهبة.

لذلك، يبدو أن الجانب الفرنسي قد أيقن أن انتخاب رئيس للجمهورية ليس أمراً ممكناً في المدى المنظور، ومعه قرر التعامل مع الواقع اللبناني على هذا الأساس، ومحاولة تقديم كل الدعم الممكن لحكومة تمام سلام. ويأتي هذا الدعم في سياق الدعم الأميركي المتزايد، إضافة إلى الدعم الأوروبي، وهو دعم يتوزع على شقين، الأول يتمثل في دعم الاستقرار الأمني والعسكري في البلد، عبر تقديم الدعم اللوجستي والتسليحي والمعلوماتي للجيش اللبناني، إذ يتولى البريطانيون إنشاء ألوية الحدود البرية، وتمويل بناء تحصينات حدودية، وترفع واشنطن من دعمها العسكري، ليصبح لبنان خامس دول العالم لجهة قيمة الدعم العسكري الأميركي.

والشق الثاني، هو ملف اللاجئين السوريين، إذ أن هناك تخوفاً أوروبياً من موجات هجرة من لبنان إلى قبرص واليونان عبر البحر، خصوصاً مع تشديد الإجراءات في تركيا وتطبيق الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وأنقرة، والتي تنص على إعادة اللاجئين من أوروبا إلى تركيا.

وما يعزز هذا التخوف، توقيف عدد من شبكات تهريب الأشخاص والقوارب التي كانت تستعد لنقل عشرات اللاجئين إلى أوروبا عبر البحر.

ويتزايد القلق الأوروبي نتيجة وجود نحو مليون ومائة ألف لاجئ مسجلين لدى مفوضية شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة بلبنان، لكن جهات رسمية لبنانية وعدداً من الوزراء، أكدوا أن عدد اللاجئين يتجاوز المليون ونصف المليون.

ويعيش اللاجئون في ظل ظروف صعبة، إذ لا يوجد أي مخيم رسمي في لبنان، بل مئات المخيمات غير الرسمية، كما فشلت الحكومات المتعاقبة في وضع تصورات واستراتيجيات فعالة لإدارة هذا الملف، بسبب الخلافات بين مكوناتها، وبقي الحل الأمني طاغياً.

في المقابل، تولت منظمات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية اللبنانية والدولية، مسؤولية العمل مع اللاجئين من الجانب الإغاثي، وصولاً إلى الضغط باتجاه إجراء تعديلات قانونية تسمح بتجديد إقامتهم في لبنان بدون بدل مالي، أو إعطائهم بطاقات إقامة خاصة والسماح لهم بالعمل، وهو ما يرفضه عدد من الوزراء اللبنانيين بحجة أنه سيؤدي إلى التوطين. 

من هنا، تبدو زيارة هولاند محطة من محطات الدعم الأوروبي للحكومة اللبنانية، لكن لا يمكن التقليل من واقع أن هذه الزيارة تكرس "قبولاً" أوروبياً، مع واقع غياب الرئيس في لبنان، أو "تطبيعاً" مع أمر لا يبدو أن هناك أملاً بتجاوزه قريباً وانتخاب رئيس. وهو ما يترجم عملياً بحصر المساعدات في ملفي الأمن واللاجئين، وغياب موضوع العملية السياسية المعطلة عن جدول الأعمال الفعلي. 

وكانت لافتة، الضجة التي أثيرت حول لقاء الرئيس الفرنسي برئيس كتلة الوفاء للمقاومة (كتلة حزب الله البرلمانية)، النائب محمد رعد، واضطر الحزب إلى إصدار بيان ينفي تحديد موعد بين أحد مسؤولي الحزب وهولاند، أو أن لقاءً ما سيحصل، وذلك بعد إعلان وسائل إعلامية لبنانية، أن "موعداً كان موجوداً بين هولاند ورعد وأُلغي".

وتجدر الإشارة إلى أن السفير الفرنسي في لبنان إيمانويل بون، زار رعد قبل نحو أسبوع، في إطار زياراته إلى الكتل السياسية اللبنانية، تمهيداً لوصول هولاند إلى بيروت. 

وستبدأ زيارة هولاند، من مجلس النواب، حيث يلتقي رئيس المجلس نبيه بري، ثم ينتقل إلى السرايا الحكومية، حيث يلتقي الرئيس سلام، وعدداً من الوزراء. وبعد ذلك يقيم عشاء يحضره الرئيسان بري وسلام والوزراء المعنيون مباشرة بالملفات، أي اللاجئين والاستقرار والأمن في لبنان، وبعض الشخصيات اللبنانية السياسية وغير السياسية. ويلتقي نهار الأحد القادم، البطريرك الماروني بطرس الراعي، ثم يلتقي جميع ممثلي الطوائف اللبنانية أيضاً، ويختم زيارته بالانتقال إلى البقاع لبحث موضوع اللاجئين ميدانياً. 

للإشارة، زيارة هولاند إلى لبنان هي الثانية خلال ولايته في الرئاسة الفرنسية (الزيارة الأولى كانت في نوفمبر/تشرين الثاني 2012)، ولا يفصلها المطلعون عن أجواء السفارة الفرنسية في بيروت، وما يعتبرونه "الاهتمام الفرنسي الدائم بلبنان، والعلاقات الثنائية الممتازة بين البلدين".

ولو أنّ هذا الاهتمام، لم يأت بأي ثمار سياسية جدية منذ ما يقارب العقد، نتيجة تردّي أوضاع الخارجية الفرنسية باعتراف من فيها، ونتيجة انتقال الملف اللبناني إلى مستوى آخر من الصراع والنفوذ الإقليمي والدولي. فالتأثير الفرنسي على لبنان، منذ الاستقلال وصولاً إلى مرحلة السلم، وبينهما الحرب الأهلية، بدأ بالانحدار منذ عام 2005 ولحظة اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري (في 14 فبراير/شباط من ذلك العام)، مع العلم أنّ الأخير كانت تربطه علاقات جيّدة مع المسؤولين الفرنسيين وأولهم رئيس الجمهورية الأسبق جاك شيراك.

ذات صلة

الصورة
لبنان (أنور عمرو/ فرانس برس)

مجتمع

تتكرّر حوادث التحرش والاغتصاب في لبنان، وبرزت معلومات حول توقيف مدير مدرسة وأستاذ رياضة وموظف أمن، بتهمة تحرش بقاصرات في إحدى المدارس في بلدة كفرشيما
الصورة

سياسة

أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يوآف غالانت، اليوم الأربعاء، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يقوم بـ"عملية هجومية" في جنوبيّ لبنان بأكمله.
الصورة
بات شغوفاً بعمله (العربي الجديد)

مجتمع

أراد ابن جنوب لبنان محمد نعمان نصيف التغلب على الوجع الذي سببته قذائف وشظايا العدو الإسرائيلي على مدى أعوام طويلة فحولها إلى تحف فنية.
الصورة
وقفة تضامن مع جنوب أفريقيا في لبنان 1 (سارة مطر)

مجتمع

على وقع هتافات مناصرة للقضية الفلسطينية ومندّدة بحرب الإبادة التي تشنّها قوات الاحتلال الإسرائيلي على غزة، كانت وقفة أمام قنصلية جنوب أفريقيا في بيروت.