هل يتحوّل "الخضر" لحزب الشعب الجديد في ألمانيا؟

هل يتحوّل "الخضر" لحزب الشعب الجديد في ألمانيا؟

25 أكتوبر 2018
الصورة
حقق الخضر تقدماً كبيراً في بافاريا (شون غالوب/ Getty)
+ الخط -
أثار تفوّق حزب الخضر في ألمانيا قلق الأحزاب التقليدية، بعدما برهنت الأرقام التي نالها في الانتخابات البرلمانية في ولاية بافاريا، أخيراً، على أنه ثاني أكبر قوة، كما منحته الاستطلاعات قبل أيام من الانتخابات التشريعية المقررة في ولاية هيسن ما نسبته 22 في المائة من نوايا التصويت، بفارق نقطتين عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي حلّ ثالثاً. كذلك دلّت الاستطلاعات على أنه قادر على مقارعة حزب المستشارة أنجيلا ميركل "المسيحي الديمقراطي"، المتقدم في نوايا التصويت بـ26 في المائة، على الصدارة.

ومع التقدم الملحوظ للخضر على مساحة البلاد، وهي سابقة في تاريخ ألمانيا الحديث، يمكن الاستنتاج أن هناك إمكانية ليصبح "حزب الشعب الجديد"، خصوصاً أن العديد من العوامل تؤدي دوراً مؤثراً في تأييد الناخبين للخضر، ونيتهم في منحه دوراً أكبر في السياسة الوطنية، مع ما يبديه من انفتاح وتصوّر لألمانيا الحداثة. ومن الأسباب التي ساهمت في تقدم الخضر بشكل مطرد، خلال السنوات الأخيرة، الاستقرار الداخلي الذي يشهده الحزب والثبات على مواقفه في العديد من الملفات والقضايا، ما دعم حضوره ومصداقيته، تحديداً بعدما أثبت قدرته على تمييز نفسه عن المطالبات غير الواقعية لليمين الشعبوي، وبقي المدافع الأول عن الهجرة وسياسة اللجوء ولم يتخل عن مسار سياسته الإنسانية المتعلقة باللاجئين. أما الأحزاب الأخرى فعاشت صدامات داخلية حول هذا الملف. كما أن سياسة الخضر، باتت تتحلى بكثير من البراغماتية، خصوصاً لناحية استعداده للتسويات، والدليل عملية التفاوض التي خاضها الحزب خلال مفاوضات "جاميكا" التي فشلت بعد انسحاب الليبرالي، قبل عودة ميركل إلى الائتلاف السابق" غروكو" مع الاشتراكي الديمقراطي، والآن يبدي الخضر نية بالتفاوض مع الاجتماعي في بافاريا والمشاركة وتحمل المسؤولية وفق تنازلات معينة.

إلى ذلك، فإن الدراسات الاستقصائية أفادت بأن "الخضر استفاد من حقيقة أن موضوع حماية المناخ بات أساسياً، ويحظى باهتمام داخل ألمانيا، للسياسات الاقتصادية التي ترتكز العديد منها في الحد من الكوارث التي خلفها تغيّر المناخ، وسياسات أخرى للاستفادة من الطاقة المتجددة ومساهماتها في حماية البيئة وتخفيف الأعباء المادية عن المواطنين". وكلها أفكار تبنّاها وعمل الحزب عليها منذ زمن عليها، فضلاً عن أن الأخير استطاع استقطاب الناس من المناطق الريفية، التي كانت في الماضي حكراً على الأحزاب التقليدية. وهذا ما دلّ على أن الحزب قد نما وتطور وأصبح يحاكي الناس بسياسة مختلفة، في ظل الوعي المجتمعي في مجالات البيئة والاقتصاد، محاولاً أن يوازن بينها، في ظل الانفتاح على تطوير القوانين المتعلقة بمجالات وقطاعات تجارية جديدة ومنها ما يسمى بـ"اقتصاد المعرفة".

في المقابل فإن الأحزاب التقليدية وعلى رأسها الاشتراكي، راكمت الأخطاء مع الضعف الهيكلي وتآكلها، وفقدان التواصل المباشر ما أفقدها ثقة الناخبين، على وقع تنافس مرشحي الحزب على مراكز القيادة، والتصويب على زعمائهم من الداخل، منها مثلاً انتقادات لزعيمة الحزب أندريا ناليس وطريقة تعاطيها مع ملف رئيس الاستخبارات هانس غيورغ ماسن، بالإضافة إلى عدم استطاعتها إنقاذ حزبها من المستنقع الذي سقط فيه، وعدم نجاح استراتيجيتها ووعودها لغاية الآن في إعادة بناء تركيبته واستعادة المناصرين. ما أدى إلى تراجع حضور الحزب إلى حدود 14 في المائة على مساحة البلاد، رغم إعلان الحزب عند مشاركته في الائتلاف الحاكم عزمه العمل على قضايا تتعلق بالقضايا الاجتماعية التي تهم المواطن.



كذلك، فإن زعيمة المسيحي الديمقراطي المستشارة ميركل تبدو ضعيفة ومكبّلة أمام الأزمات الداخلية، وهي مُنيت أخيراً بخسارة مرشحها لانتخابات رئاسة الكتلة البرلمانية في البوندستاغ (البرلمان)، ما يوحي أيضاً بأن هناك تحوّلاً ما ضد سياستها وسلوكها داخل صفوف حزبها. أما هورست زيهوفر، زعيم الحزب الاجتماعي المسيحي في بافاريا، والشريك أيضاً في الائتلاف الحاكم فوضعه أسوأ، ويبدو أن مراسم الوداع باتت مهيأة له، بعدما لم يترك مشاكل إلا وسبّبها لحزبه الاجتماعي المسيحي، ما سمح للأحزاب الصغرى، بينها الخضر، بالتصويب عليها لكسب مزيد من المؤيدين على حساب أحزاب قوى السلطة.

وعمد مسؤولو الخضر إلى تقديم طروحاتهم السياسية وفقاً لتطلعات المجتمع، في وقت تراكمت الأخطاء الاستراتيجية فيه عند الأحزاب الحاكمة لدى إدارتها لحملاتها الانتخابية. ولم تنجح عبر مرشحيها بإقناع الناخبين ببرامجها المستقبلية، مع وعي الناخب الذي تخبط معهم في دوامة من المعاناة لفترة ليست بقليلة. كلها استفاد منها الخضر لتحصين قوته، بعد أن تمكن من استيعاب نمط حياة الطبقة المتوسطة الحضرية بشكل أفضل.

مع العلم أن سياسيي الخضر يعبرون دائماً عن أن عملهم ليس من أجل السلطة، بل من أجل تفعيل العمل والتغيير، وهم الذين يجاهرون بمساندتهم ملفات التعليم والإسكان والبيئة النظيفة وتمسكهم الإيجابي بملف اللاجئين، وتوجههم إلى خلق تحالفات واسعة لتحقيق أهدافهم، بالعمل مع القطاعات المنتجة، بعدما طرحوا أنفسهم كحزب تعددي ونيتهم تثبيت مشاركتهم الحكم فعلياً في أكثر الولايات الألمانية. مع العلم أن التقارير تفيد بأن المرشح الرئيسي لحزب الخضر في هيسن منافس جدي لمرشح حزب ميركل رئيس الحكومة الحالي في الولاية، فولكر بوفييه، في انتخابات 28 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي.

من جهة ثانية، يعتبر مراقبون أن ألمانيا تشهد تبدلاً في المفهوم التقليدي لـ"حزب الشعب"، ويبدو أن فكرة "الولاء للأحزاب الرئيسية" عفا عليها الزمن في عصر العولمة، والجميع بات مدركا للتحولات ويحسن قراءة الواقع مع تبدل الأولويات عند أفراد المجتمع، والخضر أحسن اللعب على التوجهات والخيارات الجدية للمواطنين، بعدما استغنى عن إدمانه على طروحاته الإيكولوجية، مشركاً معها شروحات اقتصادية اجتماعية عريضة تهم الناخب الألماني. بالإضافة إلى ذلك فإن المواطن الألماني تعب من فشل سياسات الأحزاب التقليدية، التي أثمرت عن بروز اليمين الشعبوي المناهض للاتحاد الأوروبي واليورو والأجانب. ويبقى تشكيك هؤلاء في مدى إمكانية الخضر الالتزام بهذه الوعود، في ظل ما يشهده الحزب من رفض وتفادي الأحزاب التقليدية مشاركتها له في الحكم. وما يحصل في بافاريا خير دليل على ذلك، والتوجه لأن يحكم تحالف الاجتماعي المسيحي مع الناخبين الأحرار، وبالتالي بقاء الخضر خارج السلطة.



دلالات

المساهمون