هل هناك نفوذ فلسطيني في الولايات المتحدة؟

28 أكتوبر 2018
الصورة
شرطي ينزع صورا لشهداء مسيرات العودة في نيويورك (Getty)
+ الخط -
هل هناك نفوذ فلسطيني سياسي في الولايات المتحدة حالياً؟ وإذا افترضنا أنه موجود فهل نظلمه إذا ما قارنّاه بنفوذ اللوبي الصهيوني؟ وما هو تاريخ هذا النفوذ ومدى تطوره من الأجيال الأولى من موجات المهاجرين إلى جيل الأولاد والأحفاد الذين ولدوا في الشتات؟
تقدر أعداد الفلسطينيين في الولايات المتحدة بأكثر من 400 ألف فلسطيني، بحسب منظمات محلية. وقد نمت الجالية الفلسطينية نموا كبيرا في العقود الأخيرة، وخاصة بعد الأحداث المفصلية، مثل احتلال بقية فلسطين عام 1967، واندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ومن ثم الانتفاضة الأولى.

مرآة الوضع في فلسطين ودول اللجوء
يشير أستاذ العلوم السياسية في جامعة ريتغرز بولاية نيوجيرزي، الدكتور عبد الحميد صيام، في مقابلة لـ "العربي الجديد" في نيويورك إلى أن الجيل الأول من المهاجرين جلب معه كل التعقيدات وانتماءات الفصائل الفلسطينية وشكل واقعه في الولايات المتحدة بمثابة مرآه تعكس ما يحدث عموما في الحالة الفلسطينية في فلسطين ودول اللجوء العربية. وصيام هو كذلك من تلك الأجيال، فقد ولد في قرية مخماس بالقرب من القدس، وانتقل إلى الولايات المتحدة ودرس وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة نيويورك. وكان ناشطاً وله دور ريادي ومؤسس في مجال العمل السياسي والاجتماعي في الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة. ويؤكد صيام أنه وفي تلك الفترة، أي في السبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي، كان هناك قدر كبير من التنسيق وتوجه عام بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وكان للفصائل الرئيسية الثلاثة، حركة فتح، والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، وتوجهاتها حضور على الساحة بين أبناء الجاليات الفلسطينية في أميركا الشمالية عموما. ويؤكد صيام أن وجود التيار الإسلامي كان عموما ضعيفا على الساحة السياسية ولم يأخذ زخمه وانتشاره إلا بعد تأسيس حركة "حماس" في نهاية الثمانينيات. وعلى الرغم من تأسيس العديد من المجالس والمؤسسات التي لعبت دورا قويا في حشد المظاهرات وناضلت على الساحة السياسية إلا أنها كانت رهينة الانقسامات السياسية في فلسطين وشتاتها. ويشير صيام في هذا السياق، على سبيل المثال لا الحصر، إلى تأسيس "المجلس الفلسطيني لأميركا الشمالية" PCNA 1979، الذي كان صيام من مؤسسيه ولعبت الفصائل الفلسطينية وشخصيات فلسطينية معروفة كإدوارد سعيد وسميح فرصون دوراً مهماً في ذلك. وبدأ التجمع يثبت أقدامه كمجلس يمثل الفلسطينيين ويجمعهم تحت مظلته إلى عام 1983 عندما حدث الانشقاق داخل حركة فتح، والذي انعكس على المجلس الذي انهار بعده. وتكررت المعادلة في تجارب أخرى، كاتحاد الطلاب واتحاد المرأة، بسيناريوهات مختلفة انتهت إلى نفس النتيجة. ويشير صيام إلى أن الانعكاس لم يكن دائما سلبيا، بالضرورة، فعندما اندلعت الانتفاضة الأولى اتحد فلسطينيو أميركا الشمالية خلفها على اختلاف انتماءاتهم السياسية وأصبح النشاط السياسي أكثر إيجابية وكانت اللحمة والمظاهرات بشكل دائم.

أوسلو والتيارات الإسلامية، والجمعيات المحلية
لكن اتفاق أوسلو جاء في عام 1993 ليكون القشة التي قصمت ظهر البعير، فبدأ العمل السياسي والتنظيم يتآكل. كما بدأت التيارات الإسلامية، وبعد تأسيس حركة حماس، تزداد قوة على حساب التيارات الحزبية السائدة التي كانت مسيطرة إلى حينه وهو ما يعكس كذلك تطورات الوضع على الأرض الفلسطينية. ويشير صيام إلى نوع إضافي من التنظيم بدأ يبرز بين أبناء الجاليات الفلسطينية في أميركا الشمالية وهي تجمعات أو جمعيات كثيرة تؤسس باسم المدن والقرى الأم، ومن بينها جمعية رام الله، وهي ربما الاستثناء، حيث إن جذورها التاريخية تعود إلى الخمسينيات من القرن الماضي. ومثلها جمعية "أبناء الخليل" و"غزة الثقافية" وغيرها الكثير. ويقول إنه كان واحداً من الذين عارضوا تشكيلها في البداية، لكنه اكتشف لاحقا أهميتها وكيف يمكن الاستفادة منها. إذ إن الكثير من هذه الجمعيات تدعم وتمول منحاً للطلاب الجامعيين وبعثات طلابية وتبني المستشفيات والمدارس وتساعد العائلات الفقيرة، إضافة إلى مشاريع أخرى، في الوطن الأم وبين أبناء الجالية في الولايات المتحد مما يضمن استمرار التواصل بين الأجيال في الداخل وفي الشتات.

أجيال جديدة وأساليب عمل مختلفة
يرى صيام أن أجيال الفلسطينيين الذين ولدوا في الولايات المتحدة تمكنت من تخطي عقد الأجيال التي هاجرت إليها. كما أنها تعمل بطرق وأساليب مختلفة ومن داخل المجتمع الأميركي، محاولة الابتعاد عن الانقسامات الفصائلية. في الوقت ذاته يقول إنه لا يمكن الاستهانة بمنجزات الأجيال الأولى وما حققته على الرغم من محاربة اللوبي الصهيوني واليمين لها بشراسة وبأساليب التخويف والملاحقة ورصد الأموال الطائلة لمحاربتهم. ويؤكد الحقوقي حاتم أبو دية، وهو عضو لجنة التنسيق الوطنية في شبكة الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة، أن لدى بعض الجاليات العربية (مثلا في جنوب شرق ميشيغان) مستوى معينا من القوة السياسية. ويضيف في حديث لـ "العربي الجديد" " لكنني لا أتفق مع القول إن عدم وجود نفوذ سياسي قوي للجاليات الفلسطينية والعربية هو أمر مفاجئ. من المهم أن نفهم السياسة في الولايات المتحدة لنفهم لماذا لا يمكن للفلسطينيين أن يؤثروا على واشنطن مثلما يفعل الصهاينة. وأنا لا أتحدث عن هذا في سياق إدارة الرئيس دونالد ترامب. السبب وراء عدم حصولنا على قوة سياسية (تقليدية) في هذا البلد يعود للعلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وإسرائيل". ويشير إلى إنه "لدى الكثير من الفلسطينيين التحليل الصائب لهذه العلاقة. فهم يعتقدون بأن إسرائيل والصهاينة في الولايات المتحدة (سواء كانوا أمريكان يهود أم غير يهود) يسيطرون على السياسة الخارجية، بما في ذلك ما يخص إسرائيل، وفلسطين والعالم العربي. لكن هذا التحليل لا ينظر إلى أكثر من مئة عام من الإمبريالية الأميركية ولا إلى حقيقة أن إسرائيل تلعب دوراً محدداً ومهماً بالنسبة للولايات المتحدة".
ويضيف أبو دية "إسرائيل هي دولة وكيلة للولايات المتحدة وتنفذ سياستها في المنطقة وتؤمن استمرارية هيمنتها على العالم العربي والشرق الأوسط عموماً. تحصل إسرائيل على دعم مادي وعسكري وسياسي ودبلوماسي ثابت من الولايات المتحدة لكي تقمع نضال الشعوب العربية للحرية وتقرير المصير. ويتمثل هذا بوضوح تام في استمرار إسرائيل باحتلال واستعمار فلسطين وأراض عربية أخرى". ويرى كذلك أن الولايات المتحدة تحتاج إسرائيل لكي تلعب الدور الذي تلعبه في الشرق الأوسط، ولهذا فلن يسمح الكونغرس أو السلطة التنفيذية للفلسطينيين أو العرب في الولايات المتحدة بأن يغيروا ميزان القوى قيد أنملة. الإمبريالية الأميركية تعيش على استغلال موارد وعمل الشعوب المضطهدة في كل العالم، ومن ضمنها بالذات الشعوب العربية. لذلك لا بد أن تظل إسرائيل رقيبها".
ولهذا يطرح أبو دية وغيره من النشطاء الفلسطينيين رؤية مختلفة فيقول "على الرغم من تقديرنا لجهود هؤلاء الذين يريدون تأسيس (قوة سياسية) في الولايات المتحدة، يجب أن ندرك أن هذا العمل محدود وتواجهه مصاعب بنيوية. بدلاً من هذا، فإن شبكة الجالية الفلسطينية تركز على التنظيم بالاشتراك مع الجاليات المضطهدة الأخرى لإضعاف الإمبريالية الأميركية على مستوى القاعدة الشعبية، في "جوف الوحش" كما يقال. ولذلك فنحن نتحالف وندعم حركة التحرّر للسود وللمكسيكيين، حقوق المهاجرين، سيادة السكان الأصليين، حقوق النساء وحقوق العمال وحركات أخرى تنادي بالعدالة الاجتماعية في الولايات المتحدة".
ويختم أبو دية قائلاً " كلما نجحت هذه الحركات هنا، كلما ضعفت الإمبريالية الأميركية. والتنظيم والعمل لإضعافها وهزيمتها هو مسؤوليتنا من أجل دعم تحرير فلسطين. هذا هو ما يجب أن يكون عليه دورنا، بدلاً من أن نحاول التأثير على الكونغرس أو مكتب الرئيس فقط لكي يتوقفوا عن دعم إسرائيل".


المساهمون