هذه خلفيات إطاحة ملك المغرب بوزراء فشلوا في تحسين الوضع الاقتصادي لـ"الحسيمة"

25 أكتوبر 2017
الصورة
خلال احتجاجات الحسيمة (فرانس برس)


قرر العاهل المغربي، الملك محمد السادس، أمس الثلاثاء، إعفاء وزراء ومسؤولين كبار في الدولة، على خلفية نتائج التحقيق الذي أمر به بشأن تعثر المشاريع التنموية التي أعلن عن انطلاقتها سنة 2015، خاصة في منطقة الحسيمة أو ما اطلق عليه برنامج تنمية منطقة الريف.

اختصاصات الوزراء المعفيين من مهامهم، تدخل في صلب المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المواطنون في المناطق المهمَّشة التي تشهد حراكاتٍ متواترة. من الإسكان، إلى الصحة والتعليم والتشغيل، وصولاً إلى المعنيين بقطاعي الكهرباء ومياه الشرب... فما قصة الحسيمة؟ ما هي أبرز المشكلات التي يعاني منها المواطنون في المناطق المهمشة؟ 

الحراك والحلول غير المنفذة

شهدت منطقة الحسيمة منذ أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، احتجاجات على إثر مصرع 
بائع السمك، محسن فكري، طحناً داخل شاحنة لجمع القمامة، إذ كان يحاول استرجاع بضاعته التي صادرتها السلطات المحلية من داخل الشاحنة.

واعتقل إثر الاحتجاجات، التي اتخذت منحى اجتماعياً ومعيشياً، العشرات من قادة ما يسمى بـ"حراك الريف"، حيث تُنتظر محاكمتهم، في ظل وجود مساعٍ لإطلاق سراحهم عبر عفو ملكي.

وكانت الحكومة قد أعلنت عن المضي في تنفيذ 533 مشروعاً بقيمة 650 مليون دولار، وهي مشاريع تدرج ضمن برنامج "الحسيمة، منارة المتوسط"... إلا أن التأخر في تنفيذ هذه المشاريع أدى إلى فتح تحقيقات انتهت بإعفاء الوزراء المعنيين بتنفيذها.

وكان العاهل المغربي قد عبر عن غضبه، في أواخر يونيو/حزيران الماضي، بعد التأخر الذي وقع في تنفيذ المشاريع التي أطلقها بالحسيمة، وأمر بفتح تحقيق من أجل تحديد المسؤولين عن ذلك.

كما أعلن النائب البرلماني، نورالدين مضيان، مثلاً أن المنطقة كانت تتوفر عند حصول المغرب على الاستقلال، على أكثر من خمسين مصنعاً للصناعات الغذائية ومعالجة الأسماك، بينما لا يوجد بها اليوم أي مصنع من هذا النوع.

وشدد آخرون على ضرورة محاربة البطالة في المدينة، التي تصل إلى حوالى ضعف المستوى الوطني البالغ 10.7%، ما يجعل ملف التشغيل حاسماً ومصيرياً.

وحتى مايو/ أيار الماضي، لم يعلن سوى عن فرص عملٍ في الوظائف الحكومية أو الجماعات المحلية، والتي تصل إلى حوالى مائتي فرصة عمل فقط.

أزمات متراكمة

يعول سكان في الحسيمة على الصيد وتحويلات المغتربين من الذين يوجدون بشكل كبير في بلدان مثل هولندا وبلجيكا وإسبانيا وألمانيا.


وتعاني المنطقة من عدم إدراجها ضمن المناطق التي تستقبل الاستثمارات، حيث يركز المستثمرون على المناطق الصناعية مثل الدار البيضاء وطنجة والقنيطرة.

ويخيم شبح العطش على مدن في شمال وجنوب المغرب، وتضطر أسر بعض المناطق إلى شراء المياه، خاصة في ظل ارتفاع الحرارة التي تلامس 47 درجة في الوسط والجنوب.

وتراجعت حصة المغاربة من الماء بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة. وبلغت حصة الفرد الواحد من الماء في العام نحو 750 متراً مكَعَّباً، بعدما كانت في حدود 1500 متر مكَعَّب في عام 2000، و2500 متر مكعب في عام 1980. 

وكان تقرير أعده صندوق النقد الدولي، توقع قبل ست سنوات تقلص الموارد المائية بمعدل النصف للفرد الواحد في عام 2050؛ بسبب الإمعان في استنزاف المياه الجوفية. 

وربط المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في المغرب في تقرير أعلنه في سبتمبر/أيلول الماضي، بين تفشي الفقر والظلم والتهميش الاجتماعي وبين اندلاع حركات احتجاجية في البلاد، أبرزها احتجاجات الريف التي تتجدد كل فترة.

وأصدر المجلس، وهو مؤسسة رسمية يترأسها الوزير السابق، نزار بركة، تقريراً حول الأوضاع الاجتماعية خلال 2016، جاء فيه أن "هذه السنة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الحركات الاحتجاجية، وفي عدد الإضرابات".

ووصف التقرير الاحتجاجات المتكررة، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2016، كونها ردة فعل على شعور السكان بالتهميش والفقر وتفشي البطالة وسط الشباب، ما دفعهم إلى تنظيم احتجاجات غاضبة بشأن تردي أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.

وأبرزت الاحتجاجات في الحسيمة هشاشة البنية التحتية في المنطقة، حيث يغيب المستشفى الرئيسي، ولا تتوفر أي جامعة، وربط التقرير كثافة الاحتجاجات الاجتماعية في منطقة الريف بوجود خلل في التنمية رغم محاولات المسؤولين المحليين إنقاذ المدينة من أوضاعها المتردية.

ارتفاع الفوارق المناطقية والاجتماعية

سجل المجلس الاجتماعي تراجعاً واضحاً في المشاريع التنموية في الحسيمة، مؤكداً أن الحل هو تنفيذ مشروعات تستوعب الشباب العاطلين عن العمل، وهم الفئة الغالبة بين المحتجين، ما يدفع إلى الجزم بأن الحصول على وظيفة أو فرصة عمل عاملٌ حاسمٌ نحو الاستقرار وإرساء السلم الاجتماعي في البلاد.

وعدد التقرير الحلول المتاحة لتفادي الاحتجاجات، وبينها تحقيق تنمية مستدامة في جهات المغرب، وإزالة التفاوت بين جهة وأخرى، علاوة على توزيع الثروات والاستثمارات بشكل عادل ومنصف بين مناطق البلاد.

وقال إن توجه الدولة نحو فرض رسومٍ للتسجيل في التعليم العمومي أفضى إلى مخاوف

لدى الأسر محدودة الدخل، مبرزاً أن تطبيق قرار كهذا من شأنه تكريس الفوارق الاجتماعية في الوصول إلى تعليم جيد.

وأشار إلى أن تفاقم ظاهرة اكتظاظ الفصول الدراسية، ونقص عدد المدرسين تزيد من حدته أعدادُ الأساتذة المحالين إلى التقاعد.

وتجلى ضعف التنمية في ظل وجود مناطق معزولة، وبنى تحتية غير جيدة، وصعوبة الاستفادة من الخدمات الأساسية. في الوقت ذاته يشير التقرير إلى أن 79.4% من الفقراء المغاربة يعيشون في القرى.

ولفت التقرير إلى أن 23% من قاطني القرى، يتوفر لديهم التأمين الصحي الإجباري، غير أن ذلك المعدل يرتفع إلى 76% في المدن.

وسجل تقرير المجلس أن التنمية في القرى، لم تستحضر التطور الديمغرافي فيها، حيث أن عدد نسبة السكان فيها تراجع من 49% إلى 40% بين عامي 2004 و2014. وشدد على أن التحولات التي تعرفها القرى المحتضنة لأكثر من 13 مليوناً من سكان المغرب، تفرض تغيير الطريقة التي يجري التعاطي بها مع التنمية في تلك المناطق.

وأشارت البيانات الرسمية إلى أن معدل البطالة يصل إلى نحو 10% من إجمالي القوى العاملة في المملكة، غير أن هذه النسبة تصل إلى 42% بين الشباب و24% وسط خريجي الجامعات.

في حين قالت الإحصاءات الرسمية الخاصة بمؤشّر الهشاشة الاجتماعية العام، أنّ نسبة الهشاشة في المجال الحضري 7%، بينما نسبتها في المجال القروي تصل إلى 21.6%.

وصنفت كلٌّ من منظمة أوكسفام ومنظمة التنمية المالية الدولية المغرب في المرتبة 103 عالمياً من أصل 152 دولة في مؤشر انعدام المساواة الاقتصادية، وهو يعتمد على: مقدار استثمار الحكومات في الإنفاق الاجتماعي، وكيفية استخدامها لأموال الضرائب لموازنة مستوى التفاوت في الدخل، وحقوق العاملين.

الكشف عن الاختلالات

بدوره، أعد المجلس الأعلى للحسابات، تقريراً وصل إلى مراسل "العربي الجديد" مصطفى قماس، بيّن وجود اختلالات ارتكبتها الحكومة المغربية السابقة، في تنفيذ مشروع " الحسيمة- منارة المتوسط"، الذي تأخر، ما كان من أسباب

الاحتجاجات التي عرفتها منطقة الريف منذ أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي.

وقدم رئيس المجلس الأعلى للحسابات، التقرير للعاهل المغربي، مساء أمس الثلاثاء، والذي يتضمن نتائج وخلاصات المجلس حول برنامج الحسيمة منارة المتوسط، وهو التقرير الذي طلبه الملك من المجلس، بعد التحقيق الذي أنجزته وزارتا الاقتصاد والمالية والداخلية.

وسجل التقرير، الذي أكد عدم وجود حالات غش أو اختلاسات مالية، أن عدة قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية لم تفِ بالتزاماتها في إنجاز المشاريع، معتبراً أن التوضيحات التي قدمتها تلك الوزارات والمؤسسات "لا تبرر التأخر الذي عرفه تنفيذ هذا البرنامج التنموي".

ولاحظ حدوث "تأخر كبير في إطلاق المشاريع، بل إن الغالبية العظمى منها لم يتم إطلاقها أصلاً، مع غياب مبادرات ملموسة من قبل بعض المتدخلين المعنيين بإطلاقها الفعلي".

وكان العاهل المغربي تسلم من وزيري الداخلية، والاقتصاد والمالية، تقارير حول تنفيذ مشاريع التنمية بالحسيمة، حيث اتهمت تلك التقارير"المسؤولين المعنيين بهذا البرنامج، خلال التنفيذ، بمن فيهم الذين لم يعودوا يزاولون مهامهم في الوقت الراهن".

وأمر الملك آنذاك رئيس المجلس الأعلى للحسابات، بأن تقوم هذه المؤسسة التي تعتبر محكمة مالية بالمملكة، بمواصلة التحقيق في هذا الموضوع.

وبدأت محاكمة قائد الحراك، ناصر الزفزافي، بينما رفع نوابٌ عبر البرلمان رسالة إلى الملك يلتمسون فيها إطلاق سراح المعتقلين والانخراط في مسلسل من المصالحة.

(العربي الجديد)