هجمة مرتدة

15 سبتمبر 2019
+ الخط -
في تسريب لأحد مقاطع الفيديو وبجودة عالية، ومن مجلس سعيد بن سَلْم، يجلس عمرو وعن يمينه عبد الملك بن قريب بن أصمع (الأصمعي)، وعن يساره ميمون بن حفص (أبو توبة) وكان مؤدِّبَ عمرو بن سعيد. يريد الأصمعي بسط سيطرته على المجلس، والأخذ بأزِمّة الكلام في مجلس الأمير، لا سيَّما أنه وافدٌ عليه من البصرة، ويعلم مكانته في قلب سعيد. 
وبعد هنيهة، بدأ الأصمعي يرمي شباكه ليوقع ميمون في شركه، وبدا أن ميمون قد بلع الطُّعْمَ، وأن الأصمعي سيجهز عليه في ثوانٍ معدودات، إذ تذاكرا الشعر وكلما مرَّ شيءٌ من الغريب، ابتدر أبو توبة شارحًا وموضِّحًا لمعاني القول، وشقَّ ذلك على الأصمعي، وارتأى أن يزيد صعوبة الامتحان، وأن يخرج به عن مستوى المعلم المتوسط، ومع ذلك فإن أبا توبة واصل التفاعل والتجاوب.
أراد الأصمعي أن يُحرج أبا توبة في ميدانٍ مغاير؛ فنقل رحى الأسئلة إلى عالم المعاني، وسأل أبا توبة عنها، هنا يتدخل سعيد في الوقت الحرج، ويحاول أن يحفظ لمؤدب ولده ماء وجهه، وحذره من كمين صديقه البصري، لكنما حبائل صيد الأصمعي لم تؤتِ أكلها! وصُعق الأمير والأصمعي معًا من رد أبي توبة.
ظن الجميع لوهلةٍ أن أبا توبة خريج هارفارد، أو صاحب نظرية الذكاءات السبعة، أو أنه من أملى على ابن عونٍ أجوبته المسكتة؛ إذ ابتسم أبو توبة وهو يسمع كلمات سعيد التحذيرية: "لا تتبعه يا أبا توبة في هذا الفنِّ؛ فإن هذه صناعته"، وبينما تلتمع الابتسامة في وجه أبي توبة، ويشفعها بجوابٍ مدهش لا يعرفه إلا الكبار فيقول "ما عليَّ! إذا سألني عما أحسنه أجبته، وما لم أحسِن تعلَّمتُه".
جوابٌ مفحِم لا يقدر عليه الصغار، صغار الهمة والقيمة والثقة بالنفس، هؤلاء يتقبلون المهام الجديدة والتكليفات غير المألوفة بتردد، وربما بحماس بارد لا يلبث أن يختفي، إذ لا يسمحون لأنفسهم بالخطأ، ما يعني انكماشهم داخل إطار ضيق، يجترون معلوماتهم القديمة ويخشون المغامرة وتعلُّم الجديد.
تفيد الدراسات الحديثة أن تصالح المرء مع احتمالات ارتكاب أخطاء؛ سيجعل من ارتكابه الفعلي للأخطاء يتراجع كثيرًا، ويتحسن أداؤه على نحوٍ لافت، وهذا ما شاهدناه في موقف أبي توبة مع الأصمعي. لم يركز أبو توبة على صورته النمطية، ولم يأبه بالبرستيج إن أخطأ، بل دفعته ثقته بنفسه للإقرار بتقبُّل الموقف، والتعامل بروح رياضية وتعلُّم ما غاب عنه.
حرص أبو توبة على تطوير قدراته، وتعلُّم مهارات تضاف لرصيد خبراته، ويدرك أن تعلم أشياء جديدة يستوجب قدرًا من المجازفة، ولن يؤدي على الوجه الأكمل لا سيَّما في المرات الأولى، يوقن بضرورة اتباع منحنى التعلم وأن التحسُّن يتطلب وقتًا، وأن عدم خوض المغامرة يؤكد تقولُبه وزهده في طلب العلم.
لم يكن همه أن يظهر بشكلٍ جيد، بل بشكلٍ أفضل مما هو عليه، وثمة فرق بين الجيد والأفضل؛ فالظهور الجيد يضفي على الشخص مسحة من المواقف الدفاعية، ويحث أبا توبة على التترُّس بالشعر، وعدم مجاراة الأصمعي في رحبة المعاني، لن يلومه النَّاس وسيجدون له مبررًا، لكنه يريد لنفسه مكانة أفضل وعلمًا أوسع.
لم نلحظ على ملامح أبي توبة توترًا ولا تشنُّجًا، بينما نرى التوتر يعتصر آخرين ممن يحرصون على توقي التجارب الجديدة، ويفضلون الدوران في دائرة من الرتابة خشية ارتكاب أخطاء.
أراد الأصمعي أن يضيِّق الخناق عليه، وأن يكيل له الإحراج والإرباك، لكنه قلب الطاولة لينفِّذَ هجمة مرتدة، وخير وسيلة للدفاع الهجوم، ويفوز باللذات كلُّ مغامرٍ ويموت بالحسرات كلُّ جبان.
D14DCC9E-4695-4E3F-AF5D-957B3D79F68C
محمد الشبراوي (مصر)