نهب أنابيب البترول في مصر...كيف أدى رفع الدعم إلى تفاقم سرقة البنزين؟

23 مارس 2020
الصورة
تركيب صمام في الأنبوب المستهدف بالسرقة يحتاج إلى مختصين(Getty)
+ الخط -
يصف العقيد محمد سمير رئيس مباحث الأموال العامة بالبحيرة عملية سرقة، 60 ألف متر مكعب من بنزين 95 من أنبوب بترول رئيسي يمر أسفل أراض زراعية في محافظة البحيرة غربي دلتا مصر بـ"الخطة المُحكمة"، إذ استأجر المتهمون قطعة أرض يمر أسفلها الأنبوب، وحفروا بداخلها حتى وصلوا إليه وتمكنوا بالاستعانة بفنيين سابقين في شركة بترول من إحداث فتحة في الأنبوب وغلقها بصمام وسحب البنزين من خلاله.

وتقدر قيمة المسروقات بقرابة نصف مليون جينه (32 ألف دولار)، ولم تكن تلك الواقعة هي الأولى طبقا للعقيد سمير، إذ تعرض هذا الخط للسرقة 12 مرة بنفس الطريقة خلال عام 2019 وفقا لما جاء في محاضر الشرطة الخاصة بالقضية والتي اطلع عليها معد التحقيق.

إضافة إلى ما ذكره الضابط سمير، يؤكد المهندس عبدالمنعم حافظ رئيس شركة أنابيب البترول (حكومية تأسست عام 1955) اكتشاف 80 سرقة مشابهة في محافظات مصر. مشيرا إلى أن هناك عمليات سرقة تتم ولا يتم اكتشافها نظرا لقيام المتهمين بسد الفتحات مرة ثانية بعد السرقة. وتابع موضحا: "في عتاقة بالسويس اكتشفنا أن متهمين ظلوا يسرقون كميات كبيرة من خط عتاقة - جنوب سيناء لأكثر من شهرين ولم يكتشف الأمر إلا بعد مشاهدة دورية أمنية لتسريب على الأرض، ليتم ضبط المتهمين الموقوفين على ذمة القضية رقم 87 لسنة 2019".


فترات طويلة للتخطيط والتنفيذ

"في نهاية العام تجرى مقارنة حجم الضخ داخل خطوط الأنابيب مع الكمية المسحوبة من البنزين، وقتها قد يتم اكتشاف الفاقد" وفق ما أوضحه المهندس عبدالمنعم حافظ قائلا: "خط عتاقة سُرق منه في عام 2019 فقط قرابة 5 ملايين متر مكعب".

ويعمل المتورطون في عمليات سرقة المواد البترولية على مدار فترات طويلة للتخطيط وللتنفيذ، طبقا لما جاء في اعترافات المتهمين في تحقيقات النيابة العامة في القضية رقم 54 23 لسنة 2019، إذ استغرقت خطتهم قرابة 4 أشهر، بدأت بعملية رصد خط سير أنبوب البترول الواصل بين "الماكس بالإسكندرية ومسطرد بالقاهرة الكبرى"، وساروا عشرات الكيلومترات في الأراضي الزراعية حتى حددوا مكان مرور الأنبوب، كما يقول المتهم الرئيسي في القضية وائل عبد الرحمن، لافتا إلى أنهم كانوا يعرفون بأن الأنبوب على عمق مترين تحت الأرض، لذا سعوا إلى شراء قطعة أرض صغيرة يمر الأنبوب أسفلها لكن السعر المرتفع والذي تجاوز 800 ألف جنيه (51 ألف دولار) جعلهم يعدلون من خطتهم ويستأجرون قطعة الأرض بالاستعانة بابن شقيق المالك والذي شاركهم في ارتكاب الجريمة، مضيفا :"انتظرنا نمو محصول الذرة الذي زرعنا الأرض به، للحفر من أجل الوصول إلى الأنبوب والذي تولي فني لحام ثقبه وتثبيت الصمام به، لتبدأ بعدها عمليات سحب البنزين وتعبئته في سيارات كسح مجار وبراميل" .

"وتسبب عدم إغلاق الصمام بإحكام في تسرب البنزين الذي امتد حتى مسافات طويلة ووصل إلى الترعة المجاورة لقطعة الأرض الواقعة في قرية الماسورة بالبحيرة، ليكتشفه الأهالي ويسارعون في الحصول عليه وتعبئته" وفق ما جاء في اعترافات المتهم الرئيسي.

"أهالي قرية الماسورة وكأنهم وجدوا كنزا" كما يصف يسري محمد أحد أبناء القرية، مشهد هجوم الأهالي على البنزين المتسرب مضيفا: "الناس استيقظوا صباحا ووجدوا الترعة مليئة بالبنزين، الكل أحضر جراكن وبدأوا في محاولة التعبئة، حتى وقعت الكارثة، أحدهم ألقى عقب سيجارة أشعلت النيران في الجميع".

ولقي 9 أشخاص مصرعهم وأصيب 18 آخرون في الحريق الناتج عن اشتعال البنزين المتسرب، بينما ألقت أجهزة الأمن بعد أيام من الحادث على المتهمين بسرقة البنزين من الأنبوب.



زيادة النهب بعد رفع الدعم

انتشرت عمليات سرقة المواد البترولية والمياه والكهرباء من الخطوط الرئيسية بشكل كبير في السنوات الماضية لأسباب تتعلق بارتفاع أسعار تلك المنتجات والحالة الاقتصادية التي تمر بها البلاد في ظل رفع الدعم عن تلك المنتجات ما زاد من قيمتها، فضلا عن ضعف الرقابة وسهولة استمرار عملية السرقة دون اكتشافها لفترات طويلة، وفق ما يؤكده اللواء محمد إبراهيم مساعد وزير الداخلية للأموال العامة سابقا، موضحا أن تلك العمليات يتورط فيها موظفون أو فنيون سابقون في تلك الشركات إذ توجد لديهم معلومات وخبرة في تنفيذ وتوفير ما تحتاجه تلك العمليات وعلى سبيل المثال عملية كسر الأنابيب وتركيب الصمامات وسحب البنزين وتصريفه أيضا وبيعه سرا في حالة نهب المواد البترولية، خاصة أن المتورطين يحتاجون إلى علاقات مع أصحاب محطات بنزين حتى يتمكنوا من إتمام عملياتهم وتصريف مسروقاتهم دون كشفهم.

ويتفق إبراهيم صلاح، الموظف بإحدى شركات البترول مع الرأي السابق، قائلا :"لصوص خطوط البترول قد يستعينون بفنيين سابقين بالشركات، أو بعض العاملين المؤقتين في المواقع البترولية، لإنجاز مهام فنية داخل المواقع، ذلك أن تركيب صمام في الأنبوب يحتاج إلى تعامل فني خاص لتثبيته، وهي طريقة لا يجيدها إلا المتخصصون". لافتاً إلى أن المسروقات يجري بيعها لتجار السوق السوداء الذين يتهافتون عليها لانخفاض سعرها وضمان بيعها بسهولة، وهو ما يضمن لهم مكسباً سريعاً وكبيراً في الوقت ذاته.


ويؤكد صلاح، صعوبة ضبط عمليات السرقة هذه قائلا: "إن غرف العمليات في شركات البترول رصدت عمليات سرقة كثيرة خلال السنوات القليلة الماضية، لكن الغرفة المركزية لا تستطيع تحديد المكان بالضبط، وكل ما تفعله هو إغلاق المحبس الرئيسي للخط، بعد ملاحظة زيادة معدلات السحب على غير المعتاد، وهو أسرع مؤشر لمعرفة ما إذا كانت هناك سرقة أم لا"، الأمر الذي يؤكده مصدر مسؤول بوزارة البترول، طلب عدم ذكر اسمه للموافقة على الحديث، مؤكدا أن غرفة عمليات الوزارة تتلقى تقارير تفيد بوقوع عمليات السرقة في خطوط مختلفة طوال العام.

ويشرح الدكتور إيهاب سعيد الخبير الاقتصادي سبب استمرار تلك العمليات قائلا:" المليون متر مكعب من بنزين 95 قبل رفع الدعم كان يقدر بقرابة 4.5 ملايين جنيه (290 ألف دولار أميركي)، أما الآن فالمليون متر مكعب يقدر بقرابة 9 ملايين جنيه (570 ألف دولار)".


فشل الحلول الأمنية

يقر اللواء فاروق المقرحى مساعد وزير الداخلية الأسبق، بأن الحلول الأمنية لن تحمى خطوط أنابيب نقل المواد البترولية، إذ إن دوريات الشرطة والخفراء لا يمكنهم تغطية ومراقبة آلاف الكيلومترات، أو تحديد مناطق الضعف المعرّضة للسرقة، خاصة أنهم يعملون عبر آلية المرور العشوائي، لذلك يعتمد مسؤولو البترول على عدادات ومؤشرات السحب، فإذا زادت عن معدلاتها الطبيعية يتم إغلاق المحبس فوراً، وهو ما يحرم اللصوص من الحصول على كميات أكبر من البترول المنهوب.

ويضيف المقرحى :"لا يوجد حل لمنع سرقة المواد البترولية أو الكهرباء والماء، عبر الشرطة، الأمر يحتاج إلى عدد هائل من رجال الأمن وميزانية ضخمة لا يمكن توفيرها".

ويرى المقرحى أن الحلول لا بد أن تبدأ وقت تركيب أنابيب البترول عبر نظم لمراقبتها آليا وتوفير إنذار ومستشعرات تنبه القائمين على تلك الخطوط في حال جرت محاولة لاختراقها.

لكن المهندس ياسر رؤوف خبير شبكات البترول والذي سبق أن عمل في العديد من شركات البترول ولديه شركة خاصة، يرد على ما قاله اللواء المقرحي، موضحا أن الأنابيب المستخدمة في الخطوط قديمة، وعلى سبيل المثال أنبوب قرية الماسورة تم تركيبه قبل أكثر من 25 عاما، وفكرة تزويد تلك الأنابيب بنظام آلي غير قابلة للتنفيذ، لافتا إلى أن الحل الأمثل من وجهة نظره هو عدم استمرار ضخ المواد البترولية بصورة دائمة في تلك الخطوط، موضحا ضرورة عمل خزانات بترول في المناطق الواصل إليها البنزين، ليتم ضخ المواد البترولية لفترة محدده مع عملية تأمين ودوريات متحركة حتى انتهاء وقت ملء تلك الخزانات وبعدها يتم إنهاء الضخ مثلما يحدث عند عملية نقل الأموال ما سيمنع تلك الحوادث المتكررة.

دلالات