نقص الدواء في مشافي اليمن.. سلاح الحوثيين لقتل معارضيهم

23 سبتمبر 2015
الصورة
غياب الأصناف الدوائية الأساسية يهدد حياة اليمنيين (Getty)
+ الخط -
بينما يستعد الشاب اليمني، علي سيف لاستقبال مولودة البكر، بعد ثمانية أعوام من الانتظار؛ ترقد زوجته فاتن عبده، على سرير المرض في مستوصف نور العين في مديرية المواسط التابعة لمدينة تعز، نتيجة إصابتها بتسمم حملي، وما يزيد معاناة العائلة أكثر، هو انعدام الادوية الضرورية التي تمكن فاتن من تجاوز مضاعفات المرض كالتشنج والفشل الكلوي وفشل القلب، ما قد يؤثر على حياتها وطفلها.

في انتظار الدواء، تعاني فاتن كثيرا من الألم، في انتظار وصول العلاج من العاصمة صنعاء التي تبعد 256 كيلومتراً عن مكان رقودها.

"من أين سآتي بقيمة الدواء؟"، يتساءل زوجها البالغ من العمر 35 عاماً، قائلا لـ"العربي الجديد": "حالتها حرجة وقد تتطلب عملية قيصرية، المستوصف غير قادر على إجراء مثل هذه العمليات، نتيجة عدم توافر الأدوية المطلوبة" ويفكر علي بالديون التي تتراكم عليه منذ دخوله المستوصف، لكن رؤية طفله بخير تجعله يتناسى".

اقرأ أيضا: يمنيون مختفون قسرياً.. الحوثيون يكررون جرائم صالح بحق معارضيهم

مضاعفات مميتة

حالة فاتن ليست نادرة في تعز هذه الأيام، فأم عبد الله هي الأخرى تعرضت لنزيف حاد بعد الولادة، ولم تتمكن أسرتها من إسعافها حتى تدهورت صحتها كثيراً كما تقول الدكتورة أسرار الهتاري، لـ"العربي الجديد"، والتي دعت أسرتها إلى نقلها إلى مدينة تعز مباشرة، رغم علمها المسبق بمخاطر الموت نتيجة المواجهات المسلحة بين الحوثيين والمقاومة الشعبية والجيش الوطني.

لم يسعف الوقت أم عبد الله، إذ سرعان ما توفيت نتيجة عدم القدرة على نقلها إلى مشفى في تعز، وغياب الدواء الذي احتاجته عقب الولادة، ولم تجده الأسرة.

لكن حياة حُسن سفيان التي تعاني من ألم في الكبد والجهاز العصبي، صارت على المحك، إذ ازدادت حالتها سوءاً نتيجة غياب أدويتها الضرورية، ما يهدد بمفارقتها الحياة خلال أيام".

شح الأدوية

في إحدى ضواحي مدينة تعز دخل الطفل محمد، في غيبوبة شديدة بعد إسهال وجفاف شديدين، ما جعل الدكتور محمد الخليدي يحاول تعويضه بسوائل غير المحاليل الضرورية الغائبة، مثل محلول الزانجل لاكتيت. وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء، فإن معدل الإصابة بمرض الإسهال في اليمن وصل خلال عام 2013 إلى (136955) ألف إصابة، ما يهدد آلاف الأطفال اليمنيين ممن لا يجدون الدواء اللازم.

يضيف الخليدي لـ"العربي الجديد":"نعاني من نقص الأدوية الضرورية، ونلجأ إلى شرائها من السوق السوداء بأسعار مضاعفة كمحاليل (الغلوكوز، الزانجل لاكتيت) التي انعدمت في الأيام الأخيرة حتى في السوق السوداء"، ويتطابق كلام الخليدي مع إفادة الصيدلي في تعز، محمد أحمد، الذي قال لـ"العربي الجديد"الأدوية الضرورية كالمحاليل لم تعد موجودة تماما بالسوق، بجميع أنواعه، الموزع يكتفي بالقول لا توجد كميات لدينا".

اقرأ أيضا: "العربي الجديد" يكشف: صيدليات تفاقم ظاهرة تعاطي المخدرات في اليمن



المليشيات تمنع الدواء

بينما يرجع أحد الأطباء الموالين لجماعة الحوثي، (فضل عدم ذكر اسمه)، انعدام الأدوية وتدهور الوضع الصحي، إلى الحرب وما يسميه بالحصار المفروض على اليمن، يؤكد الدكتور الخليدي أن "مليشيات الحوثي تمنع دخول الأدوية والمحاليل الضرورية للقرى والأرياف التي تقع على خط الضباب في تعز، محور المواجهات، تأديباً لأهلها".

يتابع "تعرضت للتفتيش المشدد أكثر من مرة، وتم اتهامي بنقل الأدوية للمقاومة، وتم تهديدي بالاعتقال وإرسالي إلى محافظة صعدة للتحقيق معي، في المرة الأخيرة اضطررت لقطع مسافة تصل لثلاثة أضعاف، ما كنت أقطعه سابقاً للهروب من كمائن الحوثيين".

ويمتلك الحوثيون نقاط تفتيش في منطقة السجن المركزي التي تبعد عن مدينة تعز كيلومترا فقط، وتعد مركزاً هاماً للتحكم بأكثر المديريات الرافضة للتواجد الحوثي مثل جبل حبشي، والمعافر، والشمايتين، والمواسط.

منظمة هيومن رايتس ووتش أوردت حالات اعتقال لأطباء في مدينة عدن، وقالت في بيان تلقى "العربي الجديد" نسخة منه، إن عمر الهدار واثنين من المتطوعين، كانوا ينقلون ثمانية صناديق تحتوي على أدوية مرض السكري، قام سبعة من المقاتلين الحوثيين، بتوقيف سيارتهم، اتهموا الرجال الثلاثة بمحاولة توصيل الأدوية إلى داعش، اقتادوهم ومعهم السائق إلى مركز اعتقال، واحتجزوهم في غرف مظلمة، وبعد تحقيقات مشددة طلبوا منهم الاعتراف بالعمل مع داعش، والكشف عن أسماء أشخاص آخرين، وبعد أشهر من الاعتقال تم الإفراج عنهم".

وهو ما تؤكده الدكتورة أسرار الهتاري مديرة مستوصف نور العين في تعز، قائلة إن "جهاز التعقيم وأسرّة تابعة لمستوصفها جاءت بها من العاصمة صنعاء، تعرضت للتوقيف والاعتداء من قبل مسلحين تابعين لجماعة الحوثي في نقطة الضباب قرب السجن المركزي".

اقرأ أيضا: صناديق زكاة الحوثيين.. إتاوات رغم أنف مزارعي صعدة

تهرب الجهات الرسمية

تواصل "العربي الجديد"، مع مكتب الصحة في مديرية المواسط، للحصول على رد حول من يمنع الدواء، لكن رفض المسؤولون التعليق، فيما تكرر ذات الأمر مع وكيل وزارة الصحة لقطاع الأدوية الدكتور نشوان العطاب، الذي كان هاتفه مشغولاً باستمرار، على الرغم من إعلام مساعد له بالرغبة في الحصول على جواب حول الأسباب الحقيقية لنقص الأدوية ومن يمنعها.

كارثة إنسانية

يقول الدكتور أحمد شادول، ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن، إن المنظمة وفرت أكثر من 745 ألف لتر من الوقود لضمان استمرار عمل المرافق الصحية، بما فيها 51 مستشفى رئيسيا و7 مراكز صحية كبرى و6 مخازن للقاحات و8 مراكز لغسيل الكلى. إضافة لتقديم المنظمة أكثر من 181 طنا من الأدوية والمستلزمات الصحية الخاصة بعلاج الإصابات والأمراض غير المعدية بالإضافة لمستلزمات الطوارئ الصحية واحتياجات المعامل وبنوك الدم. وقامت المنظمة بتدريب وإرسال أكثر من 50 فريقا طبيا متحركا و20 فريقا طبيا ثابتا لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأساسية لـ11 محافظة.

وأضاف في تصريحات لـ"العربي الجديد":"إذا استمر الوضع الأمني في التدهور إضافة إلى نقص التمويل اللازم للاستجابة الصحية الفاعلة، فإن اليمن للأسف مُقدمة على كارثة إنسانية وصحية كبيرة."

وتابع شادول"نأسف حقيقة للوضع المتدهور الذي وصلت إليه بعض المرافق الصحية في بعض المناطق وهذا ما حذرنا منه مراراً، ولسنا هنا بصدد تحميل المسؤولية لطرف معين، فجميع المرافق الصحية والمنظمات الإنسانية والجهات المعنية تعمل وسط ظروف صعبة للغاية".

اقرأ أيضا: قائمة الكتب الممنوعة في السعودية

نصوص قانونية

في ديسمبر/كانون الأول 2014 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا تاريخيًا دعا الدول الأعضاء إلى اتخاذ خطوات فورية لضمان حماية العاملين في المجال الطبي من العنف في أي مكان.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن قوانين الحرب التي تنطبق على النزاع المسلح في اليمن تنص على أن تحظى المستشفيات وغيرها من المنشآت الطبية بحماية خاصة، وألا تتعرض إلى الاستهداف، حتى وإن كانت بصدد تقديم العلاج لمقاتلين أعداء"، وهو ما لا يحدث بحسب الدكتور الخليدي الذي يخشى وفاة المزيد من مرضاه بسبب حرمان المليشيات لهم من الدواء.