نصف سيميوني الآخر..أن تتفوق على برشلونة بدون امتلاكك فيراري!

08 فبراير 2017
الصورة
سيميوني يفشل في التفوق على برشلونة (Getty)
+ الخط -
فخور جدا بما قدمنا، فاز برشلونة في النهاية بالنتيجة، لكن أتليتكو مدريد لعب مباراة لا تنسى أمام واحد من أفضل فرق العالم إذا لم يكن فعلا أفضلها على أرضه، بهذه الكلمات بدأ دييغو سيميوني حديثه في المؤتمر الصحافي بعد نهاية جولة الإياب في نصف نهائي كأس إسبانيا، بعد أن سيطر على أجواء الكامب نو من الدقيقة الأولى حتى صافرة الحكم.


فن الخداع
أتليتكو فريق ممل، لا يهاجم أبدا ولا يعرف كيف يصنع المتعة، ومع كامل الاحترام والتقدير لكل ما يقدمه سيميوني مع هذه القماشة، إلا أنه مدرب يمثل الوجه القبيح لكرة القدم. هكذا كانت التعليقات خلال السنوات الماضية بعد كل فوز أو خسارة لعرابي الكالديرون، لتلتصق صفة الأداء السيئ بالشولو وفريقه في معظم الأوقات، رغم كل ما حققه على مستوى النتائج والأرقام، بعد خطفه الليغا من فم العملاقين برشلونة وريال مدريد في 2014، وحصوله على ألقاب أخرى كالدوري الأوروبي وكأس الملك الإسباني.


يبدو هذا الرأي مقبولاً من الناحية النظرية فقط، لأنه بعيد كل البعد عن الحقيقة عندما يتعلق الأمر بالجانب التكتيكي، فالحديث عن العملية وسيرها هو الأساس، وعمل الأرجنتيني خلال السنوات الماضية يجب أن يوصف بالمبهر على مستوى الخطط، والمقدمات الجديرة بالحكم النهائي لا النتائج. وإذا كان غوارديولا هو ملك التحكم في الفراغات هجوميا، فإن دييغو هو الأستاذ في فن إغلاق الفراغات بنصف ملعبه، والمعلم الذي آمن بعولمة هذه اللعبة، من خلال تضييق الملعب واتساعه كلما أراد من موقعه خارج الخطوط.


نقل اللاتيني الكرة إلى مستوى أكثر تعقيدا رفقة الأتليتي، وقدم أفضل تطبيق ممكن لما يعرف برسم 4-4-2 الضيق، بتواجد رباعي دفاعي أمامه رباعي آخر بالمنتصف، وثنائي هجومي غير مقيد بالوقوف داخل الثلث الأخير، لذلك أغلق الملعب عرضيا بتوليفة من لاعبي الارتكاز والهجوم، رفقة ثنائي على كل طرف لإيقاف الفرق الهجومية التي تعتمد أكثر على الأجنحة المهارية، ونجح في ذلك بامتياز، ليقدم نسخة متقنة من الأداء الدفاعي، ويخترع "المصل" الذي قلل من اكتساح طريقة اللعب المعروفة إعلاميا بالتيكي تاكا.


ما بعد الدفاع
يبحث المدرب الكبير دائما عن إضافة نسخة جديدة إلى أفكاره، مثل عباقرة التكنولوجيا الذين يفتشون عن ابتكار المنتجات التي تبهر الجمهور، لذلك عمل منذ أكثر من عام على تحسين الشق الهجومي لفريقه، وجلب مجموعة لاعبين تناسب المرحلة الجديدة، بعضهم استمر كالبلجيكي كاراسكو، وحاليا غايتان وغاميرو، والبعض الآخر لم يوفق مثل جاكسون مارتينيز ولوسيانو فييتو، مع تصعيد بعض الأسماء الشابة يأتي على رأسهم ساؤول نيغيز وأنخيل كوريا.

كل هذا التجهيز من أجل رفع كفاءة صناعة الفرص، واللعب بشكل أفضل أمام الفرق التي تعود إلى مناطقها وتنسخ أسلوب سيميوني في الدفاع، وكأنه قام بعمل Face/Off لخطة 4-4-2، لكي تتحول هجوميا إلى 4-2-4 بتبادل المراكز بين الأجنحة والمهاجمين، وكان الاختبار الأول في نهائي ميلانو ضد ريال مدريد، صحيح أن الأتليتي تأخر في النتيجة مبكرا، إلا أنه استحوذ وصنع خطورة وعاد في النتيجة، وكان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق اللقب لولا بعض التفاصيل الصغيرة كضربة جزاء غريزمان الضائعة.

وبالعودة إلى تدريبات الروخيبلانكوس، شدد المدرب في كل تمرين على وضع كل لاعبيه في رقعة ضيقة من الملعب، مجموعة كبيرة من الأقدام في مساحة لا تصل إلى 20 متراً طولا وعرضا، لضمان إغلاق زوايا التمرير أمام منافسيه، من خلال إجبارهم على لعب الكرة في المناطق المعقدة على الخط، وفي نفس الوقت لزيادة عنصر الاحتفاظ بالكرة بالنسبة لمهاجميه، فكلما وضع لاعبو الوسط كمثال في مكان صغير، كلما تطورت قدرتهم على نقل الكرة تحت الضغط، ونقل الهجمة من جانب إلى آخر في نصف ملعب الخصم، وليس فقط نصف ملعبهم.


من طرف واحد
لأول مرة منذ سنوات طويلة، يسيطر أتليتكو مدريد على الأجواء تماما أمام برشلونة، لدرجة أن نجومه تفننوا في إضاعة الفرص خلال جولتي الذهاب والإياب، ليصعد الكتلان إلى نهائي الكأس بفارق هدف واحد فقط، مع التشديد على قدرات ميسي الخاصة التي قضت على تكتيك سيميوني في تفاصيل صغيرة، فالبارسا فاز وفق معيار النتيجة، لكن أتليتكو انتصر بميزان التكتيك وخلق الفرص والإتيان بالجديد هجوميا على غير العادة.

اعتمد الشولو على كل من كوكي وساؤول في عمق الارتكاز، ثنائي يعرف كيف يمرر وأين يتمركز، واستفاد كثيرا من التدريبات السابقة لمدربهم في تطبيق اللعب التموضعي هجوميا، لذلك صعد الفريق بالكرة بكل سهولة في معظم هجماته، مع فتح الملعب عرضيا بكاراسكو وغايتان، رفقة غريزمان وتوريس بالقرب من منطقة جزاء أصحاب الأرض.

سيطر الفرنسي على كامل المساحات في وبين الخطوط، وتحرك المهاجم القدير توريس في الأمام، ليبعد دفاع برشلونة عن وسطه، ويصنع الفراغ اللازم لاستلام الجناحين، بالإضافة إلى صعود الظهيرين باستمرار على الخط، وصنع لعبة "الأوفر لاب" بدخول الأجنحة إلى العمق، وترك الخط الجانبي متاحا أمام القادمين من الخلف، لتتنوع هجمات أتليتكو طوال التسعين دقيقة، عن طريق اختراقات من العمق، عرضيات على الرواق، تمريرة وأخرى لضرب وسط برشلونة وإجبار دفاعه على التراجع، لكن كل هذا انتهى بسبب تألق سيليسن وأومتيتي بالخلف، وعبقرية ميسي المعتادة في مثل هذه القمم.


الثالثة في الحسبان
خسر أتليتكو مدريد من قبل في آخر مراحل دوري الأبطال أمام ريال مدريد مرتين، وعانى النادي الثاني بالعاصمة الإسبانية من الإضافة الهجومية المقترنة بالمردود الدفاعي الممتاز، لكن ما يهدف إليه سيميوني ويعمل عليه منذ أكثر من عام، خاص بتحسين عملية الاستحواذ والسيطرة، ومحاولة كتابة السؤال قبل الإجابة عليه، بأن يكون الطرف الأقوى كفعل وليس فقط رد فعل، وهذا ما حققه فعليا أمام برشلونة في آخر مواجهتين.

ويختلف الموسم الحالي عن السابق في كون الفريق أقوى على مستوى دكة البدلاء، مع تواجد كيفين غاميرو، أنخيل كوريا، أوغستو وفرسالجكو، ونضج غريزمان أكثر، دون نسيان خبرة توريس وتألق الركائز الرئيسية كساؤول وكوكي، وبالتالي تتضاعف فرصة الأتليتي هذه المرة في فعل شيء أكبر خلال دوري أبطال أوروبا، مع تمتعه بالتفرغ شبه التام بعد انتهاء مهمته بالكأس، وابتعاده تماما عن المنافسة المحلية على لقب الليغا.

كرة القدم لعبة تشبه سباق السيارات، إذا لم تكن تملك الفيراري، يجب عليك أن تحاول الوصول إلى نهاية السباق بالعربة التي تملكها، مهما كانت المعوقات والتضحيات. تصريح شهير قاله سيميوني في 2014، وقتها كان يقود شيئاً أقل بكثير من الفيراري الكتالونية والمدريدية، والآن يحاول كسب سباق جديد أمام أكثر من فيراري، لكن مع سيارة أكثر قوة وأناقة ورفاهية من كل ممتلكاته القديمة.

المساهمون