نحو تقييم تجربة محمد علي

27 يناير 2020
لم تلق دعوة الفنان ورجل الأعمال محمد علي للتظاهر ضد عبد الفتاح السيسي ونظامه في الذكرى التاسعة لثورة يناير استجابة تذكر، وذلك على عكس الدعوة نفسها التي وجهها في سبتمبر/أيلول 2019 للغرض نفسه..

وكما وعد في حالة عدم التظاهر، أعلن محمد علي اعتزاله العمل السياسي. وبإعلانه هذا، فإن تجربته مع الحراك الثوري، أو على حد قوله هو، تكون "لعبته" مع السيسي قد انتهت. لذا فإن من الضروري تقييم تجربة محمد علي بموضوعية، وإبراز ما لها وما عليها إنصافا للرجل وتوثيقا للتاريخ.

فمن إيجابيات هذه التجربة فضح الفساد المالي لقيادات المؤسسة العسكرية المصرية، وإثبات كذب النظام في ما يتعلق بمحدودية الموارد الاقتصادية، في الوقت الذي يهدر فيه مئات المليارات على أغراض شخصية لصالح السيسي وحاشيته، وهو الأمر الذي لم يكذبه السيسي، بل أكده في تحد سافر للجماهير التي تعاني تبعات سياساته غير الرشيدة.

وكان من إيجابياتها أيضا الحشد لتظاهرات سبتمبر 2019 التي أزعجت النظام كثيرا، وأثبتت أنه غير مستقر رغم سنوات قضاها السيسي في السلطة عقب انقلابه العسكري عام 2013 على تجربة مصر الديمقراطية، وعلى الرغم من تأكيده الدائم على استقرار نظامه وشرعيته الجماهيرية.


كما أن اتفاق القوى المعارضة للسيسي بتوجهاتها المختلفة على "وثيقة التوافق المصري" التي قدمها محمد علي بدوره للمصريين، يعد من إيجابيات تجربته. ومع أن تلك الوثيقة لم تكن جديدة في مضمونها، إلا أن الاتفاق شبه التام عليها كأساس يمكن البناء عليه، أمر جيد بحد ذاته.

في المقابل، فإن عددا من السلبيات قد شابت تجربة محمد علي، ومنها -التحول المفاجئ وقبوله -، لقد كانت رسائل محمد علي واضحة ومباشرة منذ البداية، حيث أكد أنه لم يكن مسيسا بأي شكل، وأن كل مطالبه الحصول على مستحقاته المالية المتأخرة لدى الجيش، وأن هدفه كان الضغط على النظام لتلبية مطالبه. ولكنه سرعان ما تحول فجأة إلى معارض سياسي بلا مبرر موضوعي واحد لهذا التحول، ودعا المصريين للتظاهر في العشرين من سبتمبر 2019 للإطاحة بالسيسي.

فكيف أمكن قبول ذلك التحول المفاجئ فى دور محمد علي من مقاول كون ثروة طائلة من عمله مع الجيش ويطالب بمتأخرات مالية، إلى معارض لرأس النظام والقائد الأعلى للجيش ويسعى إلى إطاحته؟

ومن سلبيات التجربة أيضا الزعامة الزائفة، فقد كان جليا منذ البداية استخدام المعارضة لمحمد علي ورقة ضغط ضد السيسي ونظامه، ولكن تصدره لمشهد المعارضة يحتاج إلى تفسير...

فقد بدت المعارضة كمن رضيت بمحمد علي زعيماً، وهو الرجل الذي كان قد أعلن أكثر من مرة أن ليس لديه أي خلفية أو خبرة أو اهتمام بالعمل السياسي، فضلا عن تربحه من الفساد المالي للمؤسسة العسكرية حتى كون ثروة كبيرة.

كما أن "وثيقة التوافق المصري" لم تقدم جديدا، إلا محمد علي في ثوب الزعيم، لذلك فإن احتمالات الإحباط واليأس تصبح طبيعية ومنطقية حال انسحاب الزعيم.

وكان من عيوب تجربة محمد علي أيضا زلات اللسان، فلا شك أنه قد تفوه بما يحسب عليه وعلى المعارضة ككل، ومن أمثلة ذلك وصف معارضته للسيسي بكونها "لعبة"، وحديثه عن أنه كان نائما وقت التظاهرات التى دعا إليها في سبتمبر2019، وكذلك مطالبته وزير الدفاع بالانقلاب على السيسي وقتها، على الرغم من أن مصر لا تزال تعاني تبعات انقلاب عام 2013، فضلا عن أن الانقلابات مرفوضة من الأساس.

كما أن تفسير محمد علي لعدم الاستجابة لدعوته للتظاهر في ذكرى الثورة بكونه إما رضا من المصريين بالسيسي أو خوفا منه، مع تقديمه للرضا على الخوف، يتجاهل أسبابا رئيسية، منها القوة الغاشمة لنظام السيسي، والقبضة الأمنية المشددة على كل ربوع مصر قبيل ذكرى الثورة، فضلا عن اعتقال الآلاف من متظاهري سبتمبر 2019 تلبية لدعوة محمد علي نفسه رغم تأكيده أن هناك ضباطا من الجيش والشرطة يدعمون تلك التظاهرات.

أما عن ضبابية الرؤية، فحدث ولا حرج، ومن أمثلة ذلك حديثه الدائم عن أنه يريد أن تصبح مصر كأوروبا دون اعتبار للفروق الثقافية بينهما، وكذلك تكراره للحديث عن تواصله مع القوى الثورية المعارضة بالخارج دون توضيح ماهيتها.

وبالمثل حين دعا الناس للتظاهر في ذكرى الثورة دون استراتيجية واضحة لإدارة التظاهر، كما أن مطالبته المتظاهرين المحتملين بقطع الطرق الرئيسية قد أعطى مبررا لتشويه المعارضة.

وعشية 25 يناير/ كانون الثاني 2020، أهدر الإعلامي المعارض حمزة زوبع حلقة كاملة من برنامجه في مناقشة رؤية محمد علي لمصر ما بعد السيسي، بينما كان الأجدر تخصيص ذلك الوقت الحرج لمناقشة خطة التظاهر وآلية إطاحة السيسي أولا.

خلاصة القول إن تجربة محمد علي حملت مزايا وعيوبا ودروسا يجب الاستفادة منها، وسواء اعتزل محمد علي العمل السياسى أم لا، فإن الثورة مستمرة ما دامت أسبابها وموجباتها قائمة.

وكما كانت الثورة قائمة قبل محمد علي، فستظل قائمة بدونه وسيستمر النضال من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وستبقى الثورة كابوسا يؤرق نظام الانقلاب العسكري في مصر حتى تطيحه وتحقق أهدافها.