نجيب محفوظ وصفقة القرن

30 يوليو 2019
الصورة
+ الخط -
اختار الناقد فيصل درّاج، في واحدٍ من مقالاته الحاذقة، في موقع ضفة ثالثة في "العربي الجديد"، أن يتخيّل نجيب محفوظ يتأمل "صفقة القرن"، ثم يوغل في الضحك، ويطلق قهقهته العالية، وينظر إلى الصفقة وإلى أنصارها "نظرته الصائبة التي سخرت من الزعيم الفارغ المتغطرس، والذي كلما زادت أوسمته تناقصت كرامته". ويكتب درّاج إن محفوظ لم يكن يفصل بين الأخلاق والسياسة، ويرى الأخيرة حاكمةً للحياة، لا تختزل الحق إلى حفنة نقود، ولا تختصر فلسطين إلى صفقة اقتصادية، ولا تخلط بين الحق والباطل والدولارات. والسياسة، عند محفوظ، اعترافٌ متبادلٌ بين أطراف متقابلة، لها حقوق الرفض والقبول والاقتراح والدفاع عن صواب يحقق العدالة. وتوصل الناقد المعروف إلى هذه النتيجة، بعد أن بسط في مقالته، الحاذقة، مقدّمات مقنعة، وأمثلة على اعتناء محفوظ بقيمتي العدل والحرية في أعماله، وهما مقولتان لا مكان لهما في "صفقة القرن"، على ما يوضح درّاج "حيث نصيب كل طرفٍ من قوته، والنصيب الأكبر للطرف الأقوى، عملا بقاعدة أثيمة، تساوي بين الحق والقوة..". 
تصيبنا، نحن كتاب التعليقات في الصحافة السيّارة، غواية أسئلةٍ من جنس الذي طرحه فيصل درّاج، عمّ كان نجيب محفوظ سيراه في "صفقة القرن"، من قبيل أن تتخيّل معلقا صحافيا مكينا، راحلا (جوزف سماحة مثلا)، ماذا كان سيكتب عن راهن سورية وعن عبد الفتاح السيسي. عاكس درّاج المعهود في شخص نجيب محفوظ الذي كان قليل الاهتمام بالقضايا غير المصرية، ومنها مسـألة فلسطين، الشحيحة الحضور في تصريحاته وأدبه، فضلا عن أنه ظل صاحب سمْتٍ محافظ، وآثر مماشاة السلطات ومهادنتها، وكان ممن ناصروا "كامب ديفيد"، وذا نزوع ساداتيٍّ في طورٍ من حياته. وتبعا لحيثياته هذه، قد لا يحفل أصلا بقصة "صفقة القرن"، وإذا اكترث بها، ليس مستبعدا أن تُرضيه، أو أقلّه لن يهاجمها إذا ما استشعر أن السلطة الحاكمة في مصر تستحسنها.
لا يحتاج فيصل درّاج إلى من يعرّفه بنجيب محفوظ وأرشيف مواقفه السياسية، غير أنه رمى هذا كله، وانصرف إلى ما حفلت به روايات الكاتب الشهير من إعلاء لقيمة مواجهة الشر، ولقيمة الانتصار للخير، ومن نهاياتٍ مثيرةٍ لمتسلّطين وظالمين. جاءت المقالة الحاذقة (مع الاعتذار عن التكرار) على ما سمّته "حسّ محفوظ بالمسؤولية الوطنية الأخلاقية"، والذي دعاه، في روايته "ميرامار"، إلى العبث بموظفٍ مرتشٍ، ".. فالرشوة عار، مهما تكن مستوياتها، وإلى الاحتفاء بامرأة فقيرة، تعرف معنى الكرامة، تشبه، مجازيا، فلسطينيين مضطهدين تقاوم عيونهم، منذ مائة عام، المخرز الصهيوني". والأرجح أن درّاج، لمّا استعصى عليه العثور على أي أثرٍ لفلسطين المقاومة في روايات محفوظ، وهو من أبرز دارسي هذه الروايات، آثر الإتيان، هنا، بهذا المجاز المتزيّد بعض الشيء، غير أن رمي قولة درّاج هذه بهذه المؤاخذة لا يخدش صحّة قولته الأساس، فكاتب "أولاد حارتنا" ظلّ في أدبه معنيا بالتعبير عن صراع الإنسان مع واقعه، فجاءت مضامين هذا الأدب، عموما، تنطق باحتفال، ظاهرٍ وخفيٍّ في آن، بالقيم النبيلة، حقا، والتي رأى فيصل درّاج في مقالته (...) أن الفن المحفوظي أخذ بها "مرجعا، ومن مواجهة الظالمين قاعدة".
لم يكترث الناقد المحترف بأي أفكارٍ أدلى بها محفوظ خارج نصوصه. وتسلّح في المقالة بإجابة كاتب "عبث الأقدار" على سؤالٍ من جمال الغيطاني، بشأن تناقضٍ يحضر أحيانا بين ما يقوله (محفوظ) في أحاديثه وما يُقرأ في نتاجه الأدبي: أن عليك، إذن، أن تصدّق العمل الفني. .. وفعلا، المسافة شاسعةٌ بين مقادير التقدّمية في أدب كاتبنا ومقادير الرجعية في أحاديثه ومواقفه السياسية. وهذا وزير خارجية أميركا، مايك بومبيو، في خطابه في الجامعة الأميركية في القاهرة في يناير/ كانون الثاني الماضي، يسلّح زيف أزعومته عن أميركا الخيّرة، بقولٍ لنجيب محفوظ، إن "الخير ينتصر في كل يوم، ولعل الشر أضعف مما نظن" (الترجمة غير دقيقة من كلمة محفوظ في حفل تسلم جائزة نوبل).. ولم يكن لمن كتب لبومبيو كلمته أن يستأنس من أدب محفوظ بشيء، لأنه لن يجد ما توخّاه، فاقتطف ما اقتطف من كلمات من خارج هذا الأدب.. أما قهقهة محفوظ العالية من "صفقة القرن" فمن مُلح فيصل درّاج الرائقة، ليس غير.