نتنياهو يتلاعب بالرياض لكسب الوقت

25 نوفمبر 2017
الصورة
نتنياهو تجاهل التعليق على الحديث حول مبادرة ترامب (Getty)
+ الخط -
رغم الفيض الهائل من التقارير التي نشرت في الآونة الأخيرة عن خطط ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وهرولة المملكة العربية السعودية، كما تظهر في كثير من الخطوات والتصريحات المعلنة، بل وحتى اللقاءات العلنية مع ممثلين رسميين لإسرائيل، إلا أن هناك قناعة تامة في إسرائيل بأن كل هذا لن يفيد السعودية لجهة تتويجها من أخضع إسرائيل في نهاية المطاف لجهة قبول المواقف العربية، أو لنقل الحد الأدنى المشترك من مواقف العرب لتسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية في حدود العام 67.
والواقع أنه لا حاجة للذهاب بعيدا في هذا السياق، إذ يكفي مثلا تعليق ديوان نتنياهو على تقارير إعلامية إسرائيلية بشأن تفاصيل مبادرة ترامب المزمع طرحها قريبا. فقد اكتفى ديوان نتنياهو بالرد على التفاصيل التي أوردها تقرير للقناة الثانية بأن نتنياهو سيحدد موقفه من المبادرة وفقا لملاءمتها للمصالح والاحتياجات الأمنية لإسرائيل. وهو تصريح جاء بالرغم من تقارير وأنباء سبقتها عن ضغوط سعودية مورست أخيرا على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لدفعه إلى القبول بمبادرة ترامب حال طرحها وعدم رفض المبادرة.
فمقابل كل الترويج السعودي للتطبيع الذي يرفق باشتراطات القبول بحل الدولتين، والاعتماد على المبادرة العربية، لم تلق السعودية من نتنياهو، بعد جهود مصرية وأردنية وسعودية حثيثة لدفعه لتغيير تشكيلة حكومته الحالية بحكومة تعتمد على حزب العمل، سوى صفعة مدوية عندما اتجه في نهاية المطاف في الشهر نفسه إلى ضم أفيغدور ليبرمان لحكومته، لتكريس مواقف اليمين وائتلاف اليمين، بدلا من التقدم نحو توسيع ائتلافه الحكومي بحزب العمل كعامل استقرار لحكومته وائتلافه عند طرح مبادرة سلمية تقوم على حل الدولتين، وإيجاد مركز دعم له في الائتلاف ليسد عن قوة البيت اليهودي المعارض لحل الدولتين والداعي لضم كل مناطق سي لدولة الاحتلال والإعلان عن نهاية حل الدولتين. لكنه رمى للسعودية بعظمة هزيلة عندما أعلن وليبرمان في مؤتمرهما المشترك، أواخر أيار/ مايو، أن المبادرة السعودية تنطوي على بعض النقاط الإيجابية لا غير وأنه ينبغي إدخال تعديلات عليها.
والواقع أن نتنياهو يعتمد في هذا الموقف عمليا على عقيدة إسرائيلية لا ترى بالخليج العربي ودوله سوى مصدر مالي هائل وظيفته القصوى في أي حل مستقبلي للنزاع هي توفير المال اللازم لدفع التعويضات للاجئين، ولبناء الكيان الفلسطيني، أي تتكفل هذه الدول بتكاليف مشروع مارشال خليجي لإعادة إعمار الضفة والقطاع، على غرار مشروع مارشال الأميركي لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو طرح كان شمعون بيريز قد روج له في سنوات الانتفاضة الأولى ولم يتوقف يومها عن طرحه بمنطق استعلائي استعماري عنصري، يدعو للدمج بين العقل اليهودي والمال الخليجي، دون منح الطرف الخليجي ما حصلت عليه الولايات المتحدة من تأثير وسيطرة على السياسة الأوروبية لعقود طويلة مقابل تنفيذ مشروع مارشال.
ويمكن عمليا إجمال وتعرية مصطلح المصالح السعودية الهائلة التي تظن السعودية أنها ستحصل عليها مقابل "إحلال السلام"، والقول إن كل ما تتوقع السعودية الحصول عليه، وضمن ذلك ما قد حصلت عليه من استعادة جزيرتي تيران وصنافير، لا يتعدى في الواقع كونه ترجمة لعقدة النقص والشعور بالدونية تجاه إسرائيل، وأن إسرائيل ولوبيها اليهودي هما اللذان يملكان ليس مفاتيح الحل وإنما مفاتيح حياة أي نظام عربي يريد البقاء.
ولعل هذا ما يفسر عمليا ليس فقط الهرولة السعودية نحو التطبيع مع إسرائيل، بحجة السعي لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال، ليس مجرد قول ممجوج وشعار واه فحسب، بل يبرر أيضا التغاضي عن الإشارات والتقارير والتقديرات الإسرائيلية الداخلية التي تنشر في الصحف ومراكز الأبحاث بأن حكومة نتنياهو لن تقدم في نهاية المطاف وعند ساعة الحقيقة الثمن المطلوب منها، وهو القبول بمبدأ حل الدولتين، إذ يرى كثيرون في إسرائيل ممن يتابعون سياسات ومواقف نتنياهو، أن تمسكه بالائتلاف الحالي وبتأثير حزب البيت اليهودي الراعي للاستيطان الصهيوني الديني، ورقة وسلاح يمكنان نتنياهو من التهرب من الاستحقاقات التي تترتب على التطبيع المعروض عليه عربيا، بحجة أنه يواجه مصاعب في ائتلافه الحاكم. ومع أن هذا الادعاء ليس مقبولا في حالة المفاوضات بين الدول، وخاصة أنه كان بمقدور نتنياهو تغيير ائتلافه الحاكم وضم حزب العمل وأوساط من اليسار للحكومة لموازنة رفض أحزاب اليمين الأخرى، إلا أنه أصر على عدم القيام بذلك، بانتظار حلول ساعة الحقيقة كي تخلصه هذه الأحزاب من الالتزام بالقبول بمبادرة ترامب، وتقوم بإسقاط الحكومة وهو ما رجحه في هذا السياق أحد المراقبين المتابعين لمسيرة نتنياهو السياسية، المعلق بن كاسبيت، في معاريف، وسبقه إليه الأسبوع الماضي تسفي برئيل في هآرتس.
يعني هذا كله أن نتنياهو يستفيد حاليا من حالة الرخاء السياسي التي توفرها له السعودية وما يسميه نتنياهو بمحور الدول المعتدلة، ليقدم أمام الناخب الإسرائيلي حالة وردية لعلاقات إسرائيل الإقليمية، بديلا عن الصورة القاتمة التي تلوح بها المعارضة الإسرائيلية، التي تدعو لحل على أساس دولتين لأسباب تتعلق أساسا بالخوف على الطابع اليهودي للدولة.
خلاصة القول إن نتنياهو يراكم الاستفادة من "الكرم العربي" مع ما يرافقه من أحاديث عن تقاطع المصالح بين دولة الاحتلال ومحور الدول السنية، بما يخدم تعزيز بقاء حكومته أولا، ومواصلة تكريس الاستيطان وفرض الوقائع، لكن دون أن يلزمه هذا الكرم برد الجميل بالقبول لا بالمبادرة السعودية ولا حتى بمبادرة ترامب، وهو يعرف أنه في حال محاولة فرض تسوية عليه، فإن الطريق للهروب من هذه المحاولة ستكون سهلة جدا، يكفي إعلان القبول بحل الدولتين كي ينسحب حزب البيت اليهودي من الائتلاف الحكومي وتسقط حكومة نتنياهو لتدخل إسرائيل دوامة انتخابات جديدة، يكفي جدولها الزمني مع ما يتبعها من مشاورات لتشكيل حكومة قادمة إلى إزاحة المبادرة سواء كانت أميركية أم سعودية عن جدول الأعمال، والبدء من نقطة الصفر من جديد.
تبقى نقطة أخيرة لا بد من الإشارة إليها، هي أنه بالرغم من تصريحات نتنياهو والقادة الإسرائيليين الدائمة بشأن توقهم للسلام وعلاقات تطبيعية، فإن من الواضح أنه في ظل توفر هذا الوضع وإن بشكل عملي وغير رسمي مجانا دون مقابل، فما الذي يدفع دولة الاحتلال إلى الدخول في دوامة جدل وخلافات داخلية فقط لتحويل التطبيع دي فاكتو (أي على أرض الواقع) إلى تطبيع بروتوكولي؟

المساهمون