نبوءات الطائر الأزرق...فوز ترامب بدأ بالنصر في معركة تويتر

26 نوفمبر 2016
الصورة
قبل 5 أيام من الانتخابات الأميركية، كتب باحث عربي شاب تغريدة قال فيها، "لو كان تويتر ممثلاً للمصوتين على الأرض، فإن الفوز سيكون من نصيب ترامب". لم يكن أحد ليصدق تلك الكلمات التي بثها وليد مجدي، المختص في هندسة المعلومات والحوسبة الاجتماعية، على حسابه الشخصي الذي لا يتتبعه سوى 200 شخص، باستثناء زميله الدكتور كريم درويش، كبير الباحثين في معهد قطر لبحوث الحوسبة، والذي تكونت لديه ذات القناعة، بعد الانتهاء من دراسة أجراها الباحثان حول أداء المتنافسين على الوصول إلى البيت الأبيض، على موقع التدوين المصغر (تويتر).

على مدار شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول الماضيين، جمع الباحثان 300 ألف تغريدة يومياً لكل من هيلاري كلينتون ومؤيديها ودونالد ترامب وداعميه عبرموقع (tweetelect) والذي تم إنشاؤه خصيصاً لهذا الغرض، فيما تم تحليل أكثر 50 تغريدة انتشاراً لكل مرشح على حدة، طوال فترة البحث الممتدة على مدار 61 يوماً، "وكانت المفاجأة هي اكتساح إمبراطور العقار ترامب لمنافسته وزيرة الخارجية السابقة طوال هذه الفترة"، كما يقول الباحث درويش لـ"العربي الجديد".

نتائج مذهلة

تكشف دراسة "ترامب يواجه هيلاري... تحليل التغريدات الأكثر انتشاراً في انتخابات 2016 الرئاسية"، والتي حصلت "العربي الجديد" على نسخة منها، أن ترامب ظل متفوقاً على هيلاري طوال شهر سبتمبر/أيلول في عدد التغريدات الإيجابية الداعمة له وتلك التي يتم إعادة تغريدتها باستثناء 6 أيام، منها يوما 12 و13 سبتمبر بعد تصريحات له ترفض طريقة إجراء المناظرات الرئاسية، وكذلك يوما 15 و16 من الشهر ذاته، بعدما قال في مؤتمر صحافي إن أوباما مولود في أميركا بعد سنوات طويلة من التلميح إلى عكس ذلك، وكذلك يوم 26 سبمتبر لدى إجراء المناظرة الرئاسية الأولى واليوم الذي يليه، والذي كان الأعلى في حجم تفوق هيلاري على منافسها، بحسب الباحث درويش، بعد أن رصد وزميله وليد، انعكاس عصبية ترامب وشتائمه على أداء داعميه على تويتر، بالرغم من أن أداءه طوال الشهر ظل مكتسحاً بنسبة 70% من أعلى التغريدات انتشارا وإعادة للتغريد.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، ظل ترامب متفوقاً بمتوسط 70% وفي بعض الأحيان وصل إلى 90% من إجمالي التغريدات التي تم رصدها يوميا، فيما عدا يوم 7 أكتوبر، والذي شهد تسريب محادثة جنسية صريحة جرت قبل 11 عاماً، بين ترامب والمذيع بيلي بوش، تحدث فيها عن "إغواء النساء"، وكذلك يوم 26 أكتوبر بعد أن قام جيمى أوتيس، أحد معارضي ترامب، بنزع وتحطيم نجمة دونالد ترامب من ممشى المشاهير بهوليود، في ذات يوم احتفال هيلاري كلينتون بعيد ميلادها.

اللافت أن تغريدة من حساب غير مشهور لمؤيدة مغمورة للوزيرة كلينتون، لا تملك غير 1648 متابعاً، تدعى Bailey Disler، حققت انتشارًا هائلا، إذ أعاد 124.322 حساباً تغريد ما بثته دسلر قائلة "صباح الخير للجميع، خاصة من حطم نجمة ترامب في ممشى المشاهير". ويؤكد درويش أن كلينتون تخطت ترامب في هذا اليوم بنسبة 58% فقط في حين ظل ترامب مهيمنا على بقية الشهر بمتوسط 75% لأعلى التغريدات انتشارا وإعادة للتغريد (ريتويت) بمتوسط 60% زيادة عن منافسته السابقة، خلال الشهرين، في حين توقف معدل تأييد كلينتون (الارتباط وإعادة التغريد) عند حد 20% وفي أحسن الأحوال 25% والنسبة الباقية كانت ضد المرشحين، الأمر الذي يصفه درويش بأن ترامب سحق منافسته وهو ما يدل على حماسة مؤيديه المتزايدة وشدة ولائهم له على العكس من داعمي كلينتون، الذين لم يزد معدل تفاعلهم مع تغريداتها وحجم الارتباط القائم على إعادة التغريد (ريتويت) والإعجاب (اللايك) عن متوسط 0.12% في حين وصلت نسبة مؤيدي ترامب إلى 0.37%، الأمر الذي يشير إلى حجم التراجع الشعبي للحزب الديمقراطي ومرشحته على مواقع التواصل الاجتماعي، في مقابل استمرار التأييد لمرشح الحزب الجمهوري، كما يرى الباحث وليد مجدي.



تراجع شعبية الديمقراطيين

عبر مقارنة نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية في أعوام 2008 و2012 و2016، وثق معد التحقيق حجم التراجع الشعبي الكبير في أصوات ناخبي الحزب الديمقراطي والذي حصل مرشحه باراك أوباما في استحقاق 2008 على 67,066 مليون صوت فيما حصل مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين على 58,421، بينما ارتفعت أصوات مرشح الحزب الجمهوري في 2012 ميت رومني إلى 60,933 مليون صوت، فيما تراجعت أصوات أوباما إلى 65,915، واستمر التراجع ولكن بشدة هذه المرة في انتخابات 2016، إذ حصلت كلينتون على 60.556 مليون صوت فيما نجح ترامب في الحفاظ على معدل قريب من ميت رومني بـ 60.116 مليون صوت، وهو ما يفسره الكاتب والمحلل السياسي مروان بشارة بأن أميركا كانت بحاجة إلى تغيير جذري بعد مرحلة من الحروب في الشرق الأوسط والأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، لكن فشل أوباما في إحداث هذا التغيير وبقاءه ضمن إطار النخب الأميركية القديمة، أديا بالأميركيين إلى محاولة التغيير عبر اليمين وليس اليسار كما فعلوا في السابق، وهي ذات الفكرة التي بنى ترامب حملته عليها، إذ هاجم المؤسسة الحاكمة والعاصمة متهما إياها بالفساد، مقدما نفسه كصوت لرجل الشارع العادي.

وتعد هزيمة بيرني ساندرز في الانتخابات التمهيدية أمام كلينتون عاملا آخر، يضيفه بشارة إلى ما سبق، من أسباب تراجع حماسة الأميركيين للتغيير عبر الديمقراطيين، إذ فقد مؤيدوه الديمقراطيون حماستهم، في الوقت الذي قدم ترامب نفسه كمرشح للتغيير، ما جعل جانبا من الجمهور الأميركي الذي لم يكن متفاعلا في السابق مع السياسة، مقتنعا بإمكانية التغيير الجذري عبر ترامب.

ويكليكس شارك بالمعركة

قبل شهر من يوم الحسم الانتخابي، شارك موقع ويكليكس المتخصص في نشر الوثائق المسربة، في المعركة الانتخابية الأميركية، إذ كان حساب الموقع على تويتر، ثاني الحسابات الداعمة لترامب والذي يتناقل مؤيدوه تغريداته ويعيدون بثها عبر حساباتهم في أكتوبر، بإجمالي 758.814 إعادة تغريد لـ 66 تغريدة تناولت رسائل البريد الإلكترونى، لجهاز جون بوديستا رئيس حملة المرشحة الديمقراطية هيلارى كلينتون، في حين كان حساب الموقع في المرتبة الثالثة للحسابات الداعمة لترامب في شهر سبتمبر بإجمالي 102.242 إعادة تغريد لـ22 تغريدة، وفقا لما كشفته دراسة معهد لقطر لبحث الحوسبة.



غير أن دخول ويكليكس على خط الانتخابات الأميركية، استدعى ردا من صحيفة نيويورك تايمز الأميركية التي أعلنت تأييدها لكلينتون في افتتاحيتها في 25 سبتمبر، إذ نشرت الصحيفة تقريرا عن جوليان أسانج مؤسس ويكليكس تتساءل فيه عن علاقة أسانج بروسيا التي كانت الدولة الوحيدة التي تفوق ترامب على هيلاري فيها، بفارق بلغ 21 نقطة في استطلاع قامت به مؤسسة يوجوف المختصة بأبحاث السوق، لصالح جريدة Handelsblatt الاقتصادية الألمانية في أبريل/نيسان 2016، في حين تفوقت هيلاري بـ 15 نقطة في بقية دول مجموعة العشرين (G20)، التي أجري الاستطلاع على 20 ألفا من مواطنيها البالغين.

"وأشاد بوتين، الذي اصطدم مراراً مع كلينتون عندما كانت وزيرة للخارجية، علناً بدونالد ترامب، الذي رد المجاملة، داعياً لعلاقات أوثق مع روسيا وتحدث عن تقبله لضم بوتين لشبه جزيرة القرم"، وفقا لما جاء في تقرير نيويورك تايمز، التي فحصت أنشطة ويكيليكس وتصريحات أسانج، ووجدت أنها كثيرا ما تصب في مصلحة روسيا، على حساب الغرب، في حين رد أسانج في مقابلة مع صحيفة التايمز بأن ويكيليكس لا تستهدف أو تتجنب أمة بعينها، بل تعمل على التحقق من كل المواد التي تتسلمها لصالح الجمهور وأن الفساد في الكرملين ليس جديداً، قائلا "الكل ينتقد روسيا"، متسائلا "أليس ذلك مملاً بعض الشيء".



أزمة الإعلام التقليدي

تعتقد سحر خميس، أستاذة الإعلام في جامعة ميرلاند الأميركية، أن وسائل الإعلام التقليدية mainstream media، لعبت دورا في دعم دونالد ترامب لدى بداية ترشحه قبل أن تنقلب عليه فيما بعد، إذ أفسحت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، المجال له باعتباره ظاهرة غريبة تجلب المزيد من المشاهدين، هادفة إلى الربح وتعظيم إيراداتها وتحقيق عنصر التسلية في إعلام تجاري بالأساس، وهو ما اتضح خطؤه لاحقا لكن بعد فوات الأوان إذ ساهمت تلك الوسائل في صنع شعبيته لدى الفئات الأقل تعليما من الأميركيين.


عقب إعلان العديد من الصحف وقنوات التلفاز انحيازها إلى ترامب انتهى شهر العسل بين الطرفين، كما تقول الدكتورة خميس، وهو ما استدعى لجوءه إلى الإعلام الجديد (وسائل التواصل الاجتماعي) للوصول إلى عدد أكبر من الجمهور دون المرور عبر الإعلام الرسمي، كما ذكر الدكتور بشارة.

ويرى الصحافي والخبير الإعلامي يوسف الشروف، أن ترامب ألحق الهزيمة بالإعلام التقيليدي الذي فشل في شيطنته واستطلاعات الرأي العام التي فشلت في توقع نصره، قائلا "دور الإعلام الأميركي تراجع في تشكيل الرأي العام، إذ فشلت المؤسسات والشخصيات الإعلامية الداعمة لهيلاري، في شيطنة ترامب كما فشلوا في تصوير هيلاري ملاكا، بسبب إمكانية النفاذ العالية في الإعلام الجديد، ومصداقية هذه الوسائل ودقتها العالية في قياس نبض الشارع، وهو ما يجعل من أدوات السوشال ميديا كالارتباط والانتشار وسائل حقيقية لقياس الرأي العام.