مواقع التواصل.. هل انتهى عصر الكتابة فعلاً؟

20 يوليو 2017
الصورة
ظهرت الرغبة بالتواصل منذ وجود الإنسان الأوّل، وعلى الرغم من أنّ التواصل كان محدودًا لكنّه كان دائمًا ما يجد الطريقة والأسلوب المناسبين. حاول الإنسان خلال تاريخه الطويل ابتداع طرق مختلفة للتواصل؛ البريد، الحمام الزاجل، البرقيات، الإشارات الضوئية، ثم الهاتف. فلو كُنتَ تعيش قبل عدة قرون من الآن لاحتجت لعدة أشهر لتحصل على جواب من بريد أو حمامة أو أيٍ كان.

لحسن حظنا، لم يتوقّف الإنسان عن التفكير والإبداع، فابتكروا طرقًا جديدة وسريعة للتواصل. ولعلّ من أهم المنجزات التي جلبها لنا القرن الحادي والعشرون هو الإنترنت، وما جلبه معه من وسائل تواصلٍ اجتماعي مختلفة ومتنوّعة.


هل تخرّب التواصل الاجتماعي؟
لنتذكّر أول تجربة لإنشاء "تواصل اجتماعي" عبر الإنترنت. إنّ أول تجربة للتواصل الاجتماعي عبر الإنترنت كانت في عام 1971، عندما قام راي توملينسون بإرسال بريد الكتروني لنفسه عبر كمبيوترين بجانب بعضهما، وكانت الرسالة المرسلة "qwertyuio"

ومن ثم توالت المحاولات لخلق منصات للتواصل الاجتماعي تكون فعّالة وقادرة على إعطاء تجربة بديلة للتواصل بين الناس.

وبالحديث عن شبكات التواصل الاجتماعي فإنّ أوّل ما يتبادر إلى ذهننا هو شبكة فيسبوك التي ظهرت في عام 2004 كشبكةٍ للتواصل بين طلاب الجامعات في الولايات المتحدة. استطاع مؤسّسها مارك زوكربرغ خلال وقتٍ ليس بالطويل - وعلى الرغم من ظهورها متأخرةً قليلًا عن المحاولات الأولى لإنشاء المنصات - أن يصبح سادس أغنى رجل في العالم.

وتضاربت الآراء فيما إذا كانت شبكات التواصل الاجتماعي تلك قد قامت بخدمة البشرية فعلًا وخلقت جيلًا واعيًا، أما أنّها، وكما يقال، قد دمّرت التواصل البشري، وخلقت جيلًا من الشباب بعيدًا كل البعد عن الواقع.

بالرغم من هذا الخلاف الطويل والجدال الذي لا ينتهي، نجد أنّ منحنى تطور وسائل التواصل الاجتماعي في صعودٍ دائم، بل تستمر وتتخذ مناحيَ جديدة كليًا. وظهرت عدة شبكات بأفكار أخرى مثل Instagram وSnapchat أو Pinterest.


مرحبًا بعصر الفيديو
وبالحديث عن Instagram وغيرها من شبكات التواصل البصرية، يتبادر لذهني ما قالته نيكولا ماندلسون، والتي تدير عمليات فيسبوك في كل من أوروبا، الشرق الأوسط، وأفريقيا، في مؤتمر في لندن، حيث قالت إنّها تتوقّع انتهاء عصر الكتابة في شبكة التواصل الاجتماعي. وفي السنوات الخمس القادمة فإنّ شركة فيسبوك "ستتغير حتمًا، وتصبح على الأرجح غير معتمدة على الكتابة وإنما على الفيديو".

سبق تصريحها قول المدير التنفيذي للموقع بأنّ الفيديو سيصبح أكثر أهمية بالنسبة لـ فيسبوك من أي شيء آخر. لكن ماندلسون تجاوزت هذه المرحلة تمامًا حيث اعتبرت أنّ الكلام المكتوب على شبكات التواصل الاجتماعي سيتم استبداله بشكلٍ كامل، بصورٍ متحركة وكلام مسجّل، أي بالفيديو.

"إنّ أفضل طريقة يمكنك من خلالها إخبار قصةٍ ما، في عصرٍ مليء بالمعلومات الجديدة والهائلة، هي الفيديو. فهي تعرض الكثير من المعلومات في فترة قصيرة".


أنت لا تعرف كيف تقرأ
فيما يسعى فيسبوك لإلغاء عصر الكتابة في منصّات التواصل الاجتماعي، يرى بعضهم أنّ شبكات التواصل الاجتماعي قد ساهمت بخلق جيل من الكتاب الممتازين القادرين على التعبير عن مشاعرهم ومشاكلهم. وأنّ الأشخاص الذين يتذمرون من عدم وجود كتّاب جيدين أو حتى كتب جيدة في هذا العصر هم نفسهم الأشخاص الذين يتذمّرن من التدفق الكبير للمعلومات وعدم القدرة على متابعة آخر مستجدات العصر.

وقد وجدت أندريا لانسفورد الأستاذة في جامعة ستانفورد في الكتابة وفن البلاغة، بعد قيامها بدراسة تضمنت 15000 عينة مكتوبة من الطلاب بين عامي 2001-2006 فيما يعرف بدراسة ستانفورد للكتابة، أنّ الكتابة في شبكات التواصل الاجتماعي قد ساهمت إلى حد كبير في تطوير القدرة على الكتابة والتعبير لدى هذا الجيل، فقبل هذه المواقع كانت الكتابة التي يقوم بها الطلاب تنحصر بشكل كامل ضمن حصصهم الدراسية.

أصبح الطلاب الآن وبفضل وسائل التواصل الحديثة واعين لأهمية الكلمة المكتوبة كونهم يوجهون كلامهم بشكلٍ دائم لجمهورٍ أمامهم، سواء كان أصدقاءهم أو عائلاتهم عبر هذه المنصات. ويردّون على الأشخاص الذين يقولون إنّ شباب هذا الجيل لا يعرفون كيف يكتبون جملةً كاملة، بقولهم أنتم لا تعرفون كيف تقرؤون في هذا العصر.

وحالما نرى الردّ القوي على مثل هذه الدراسات عبر كثير من المناهضين لهذه الفكرة. قام بعض الباحثين بإجراء استطلاع رأيٍ للأساتذة في الولايات المتحدة في عام 2013 ليروا رأيهم في أثر التواصل الاجتماعي على ثقافة طلابهم. تبيّن أن للتقنيات الحديثة مثل الإنترنت، الكتابة، وشبكات التواصل الاجتماعي الدور الأكبر في جعل طلاب المدارس الثانوية والإعدادية يملؤون الأوراق الرسمية باللغة العامية الدارجة على شبكات التواصل الاجتماعي بدلًا من اللغة الفصيحة السليمة، بالإضافة إلى خلق مشاكل في قراءة النصوص الطويلة وخوض النقاشات المعقدة.

فإذا كانت شبكات التواصل الاجتماعي، وبشكل أساسي فيسبوك، قد ساهمت في تحسين قدرات الطلاب في الكتابة والتعبير عن ذاتهم، فلماذا تقوم فيسبوك بتبني هذه السياسة التي تهدف إلى التخلّي عن الكتابة في شبكات التواصل الاجتماعي؟

وضعت فيسبوك عملية التحوّل إلى منصةٍ تعتمد على الفيديو بشكلٍ أساسي نصب عينيها، وخاصةً الفيديو الحي (live)، فكما نعلم قامت بالاستحواذ على Instagram الشبكة الاجتماعية الخاصة بالصور والفيديو، وقامت بطلب شراء شركة سناب شات الخاصّة بمشاركة الفيديو.

باتت فيسبوك تروّج بشكلٍ "تدريجي" للفيديو دونًا عن كل المحتوى الآخر وبحسب دراسة قامت بها شركة newswhip وهي شركة متخصّصة بتحليل محتوى شبكات التواصل الاجتماعي حيث تقوم بتتبع نشاط الإعجاب وعدد المشاركات عبر فيسبوك - أنّ البيانات تظهر "تدنيًا ملحوظًا في التفاعل" مع المحتوى كلّه عدا الفيديو في الأشهر القليلة الماضية، وخاصةً في عدد مرات ضغط زر الإعجاب (Like). ويعتبر الفيديو هو المحتوى الحاصل على التفاعل الأكبر عبر فيسبوك.

فهل حقًا أصبحنا في عصرٍ لم يعد الكلام المكتوب أو الكتاب المدوّن قادرًا على مجاراته وآنَ لنا أن نستبدل الطريقة التي تعلّمنا فيها وتطوّرنا بها منذ آلاف السنين بطرقٍ أخرى "أكثر حداثة" كما يدّعون؟ فالتطور الطبيعي للفكر الإنساني والحضارة البشرية يفرض علينا أنّ نتغير. أم أنّ الكتابة التي كان اختراعها أهم لحظة في حياة الإنسان لن تزول ما دمنا موجودين في هذا العالم؟

فعند اختراع الإنترنت اعتقد الكثير أنّ الناس لن تقرأ أبدًا وأنّ الكتب ستُهجر. لكن لم يحدث ذلك أبدًا، بل وبالإضافة إلى اختراع الكتب الإلكترونية (E-books) استمرّ الإنسان بتأليف الكتب، وصدر العديد من الكتب التي ألهمت الملايين.