مهرجان المفكّرين الكبار!

20 ابريل 2020
الصورة
هابرماس في 2017 (Getty)
+ الخط -

لم نكن نسمعهم يتحدّثون إلا نادراً. كثيرون اعتبروا أنهم قالوا كل شيء في كتبهم، وإذا دُعوا لإلقاء محاضرة أو جرت محاورتهم صحافياً من حين إلى آخر فتلك استثناءات تؤكّد القاعدة. اعتقد الجميع أن هذا الغياب من طبيعة الأمور، فالمفكّرون ليسوا نجومَ سينما كي تسلّط عليهم الأضواء بانتظام. المفكّرون تليق بهم العزلة أكثر.

لكن حين ذهب الجميع لاختبار العزلة مع انتشار فيروس كورونا في كل مكان، اتجهت أضواء الإعلاميين إلى هؤلاء، وربما تهاطلت عليهم استشارات السياسيين. معظمهم في العقد الثامن أو التاسع، وكأن العالم يبحث عندهم عن طمأنة ما: الألماني يورغن هابرماس، الهندي أمارتيا سِن، الأميركي نعوم تشومسكي، الفرنسي إدغار موران، الإيطالي جورجيو أغامبين وآخرين. ارتفع منسوب حضور هؤلاء بيننا في الأيام الأخيرة، بعد أن كانوا يظهرون مثل لمعات مذنّب عابر في السماء.

تحدّث هابرماس (1929) في الثالث من الشهر الجاري عبر صحيفة Kölner Stadt-Anzeiger (مُؤشر مدينة كولونيا) الألمانية، وبعد أيام استُقبل حواره المطوّل مع "لوموند" (9 نيسان/ إبريل) مثل حدث ثقافي حقيقي في فرنسا، وكأنه الإشباع المضاد لتوقف الحياة الثقافية. بدا هابرماس مُعاتباً، فانتقد الحكومات التي تستند في قراراتها إلى المعرفة الضيقة أو الناقصة للخبراء، وهؤلاء هم أوّل المعترفين بعجز علومهم عن الإحاطة بالوباء والمخاطر التي يجرّ العالم إليها. يرى هابرماس أن مواجهة خطر بهذا الحجم ينبغي أن يحرّر كل طاقات التفكير ولا يحصرها في دائرة الخبراء.

الواقع الجديد فرض أيضاً ظهورات عدة لإدغار موران (1921)، فتحدّث للإذاعات وحاور صحافيّي الجرائد الورقية، وكيف لا يُستدعى - في موسم الأزمات هذا - من أطلق منذ سبعينيات القرن الماضي حقلاً معرفياً اسمه "علم الأزمات" (Crisologie). وكمنهجه العام (الفكر المركَّب)، يعتقد عالم الاجتماع الفرنسي أن أي أزمة لا يمكن مقاربتها إلا بتضافر مجمل المعرفة. يُذكر أن منشورات "فلاماريون" قد أصدرت كتاباً جديداً لموران بعنوان "عن الأزمة"، وعلى الرغم من كونه لا يذكر كورونا وأزماته المستحدثة إلا أنه عملٌ يساعِد في فهم الواقع الجديد.

تعدّدت أيضاً ظهورات المفكّر الإيطالي جورجيو أغامبين (1942)، وقد بدا جهازه المفاهيمي مناسباً لتطوير التعامل مع زمن كورونا، وخصوصاً مفهوم "حالة الاستثناء" ذلك أن الوباء قد حوّل أشياء كثيرة كانت تصنّف ضمن الاستثناءات إلى منطقة العادي. من جهته، ربط المفكر اللساني الأميركي نعوم تشومسكي (1928) بين وباء كورونا والوباء النيوليبرالي وهو بذلك يستند إلى الحدثيّ من أجل تأكيد مقولات تحضر معه باستمرار في انتقاد النظام العالمي، خصوصاً سياسات الولايات المتحدة.

بشكل عام، تبدو سياقات كورونا وقد أضاءت منطقة كانت مهملة في "الفضاء العمومي" (المفهوم الأثير لدى هابرماس)، غير أن التوجّه إلى أبرز أسماء الفكر لا يُفضي إلى طمأنة - كما قد ينتظر بعضهم - بل ربما إلى مزيد من القلق. في الحقيقة، لا يفكّر الفلاسفة الكبار بمناسبة الكوارث والطوارئ، هم يقدّمون نفس ما سبق لهم أن قدّموه وأشاح أغلب الناس أنظارهم عنه.

دلالات

المساهمون